هل أخبرتك يوماً أن معارض الكتب ترعبني ؟
نعم هي تفعل هذا بشدة حين تعيد أمامي فتح تلك الدفاتر التي أغلقتها بقوة،
وتكسر أقفال تلك الصناديق التي حرصتُ على إضاعة مفاتيحها كي لا أقترب منها يوماً ..
انها ترعبني ياسيدي حين تدخلني في حالة من البحث عن مفقودات كثيرة ،
فأبحث عن تلك الصبية الباحثة عنك بين أرفف الكتب ،
وعن ذلك القلب الذي كان يخفق بشدة حين يراك ،
وعن تلك الفرحة التي ظننتُ انها لن تذبل أبداً ،
وعن ذلك الرجل الذي اعتقدتُ انه سيكون رجل الأبد في عمري،
وانه لن يُسجل يوماً في دفتر حياتي كحالة غياب ،
وعن ذلك الحلم الذي كنتُ أشعر به يسير بجانبي ممسكاً بيدي بفرح ،
وأنا أتجول في مواسم الكتب كعاشقة أدمنت رائحة الكتب .
لكن مواسم الكتب تغيرت كثيراً ياسيدي ،
فلم يعد للكتاب ذلك الدفء الذي كنت أستشعره حين أتصفح أوراقه ،
ولم يعد قلبي يخفق بين الكتب بشدة ، ولم تعد عيناي تتجول في الزحام بقلق ،
فهنا تغيرت الكثير من الأشياء ،
وأفسد الضجيج قدسية الكتب
فجلست بصمت على ذلك المقعد البعيد عن الصخب ،
أحدق في أقدام المارة وكأننى على طريق يخفي المارين عليه وجوههم،
فتمرني الأجساد بلا هوية ،
ويتسلل البرد إلى روحي في مكان شيدت فيه يوماً مدينة من الدفء ..
فنحن نشعر بالبرد وبغربة موجعة حين تتحوّل تفاصيلنا الجميلة إلى كتلة من ذكرى،
و تتحوّل أماكننا المفضلة إلي قطعة باردة ، تماماً كما تحوّل هذا المكان إلى قطعة من البرد
حين غاب رفاقي الذين كنت التقي بهم في مواسم الكتب ،
وبقيت وحدي كأميرة معزولة منفية من موطنها ،
أو كفتاة مغتربة عادت بعد سنوات إلي منزلها فلم تجد في استقبالها سوي ركام الذكريات ،
فلا شيء هنا سوى الغربة التي استقبلتني بجفاف ،
فدخلت إلي هذا المكان وحيدة وغادرته وحيدة ،
فكل التفاصيل به تبدو لي مجهولة غريبة عني، الكتب والكُتاب وبائعي الكتب ،
وأذواق المشترين.
كل الأشياء هنا تنسفني داخلياً رغماً عني ،
لكني مازلت أحتفظ بتلك الزاوية الخاصة بك في أعماقي كما هي ،
ومازلت ماهرة في اكتشاف وجودك مهما تباعدت المسافات بيننا ،
فأنا أنثى معتقة بتفاصيلك ،
ولديّ قدرة على تمييز عطرك على بُعد قارة
فأنت كنت أول فرحة لصبية تكتشف الحب للمرة الأولى ،
وكنت أول وجع لناضجة تكتشف الحنين للمرة الأولى ،
وربما تتحول يوماً إلي أول أمنية لمسنة تكتشف اقتراب النهايات منها للمرة الأولى.