ترحيب

صدفة!

(بعضُ الصّدفِ… بـحجم عـمرٍ وثـقله)

تـملأ كـلـمـاتُ أغنية ( بونوره) أذنـي الآن :

(إذا الـتـقينا يوم ولا عرفـتينـي … فلا عـليكِ لوم شاب الزمن فيني )*

نعم….  شاب الزمن فـينا لكنني عرفتك !

عرفـتُكَ رغـم خطوطِ عينيك…واشتعالِ الشيب بـرأسِكَ

فـمن بـيـن خطوط عينيكَ وشيبِ رأسِكَ سمعت سنواتـي تـنادينـي بصوتٍ وَهنٍ ورأيـت عـمري يطلّ عـليَّ!

أهذا أنت؟

أنتَ الـذي كُـنت أتلعثـم باسـمِه وأتوارى خـجلاً عند رؤيته
أنتَ الـذي كـتبتُ له رسائلي بالسر وسهرت الليل أقرأ بالسر رسائلَه

أنتَ الـذي كنت تمرّ عـلى أبوابـي بغيرِ حاجة   ؟

أنتَ الـذي كـان حضورُك فرحةً لا تـعادلها لـديّ عـلى الأرضِ فرحة!

فـها هـي الصدفةُ تـقذفك فـي طريـقـي الآن كقطعةٍ من عـمر

وها هو الزمانُ يـعيدك إلـيّ فـي الطريقِ كطفلٍ تـاهَ من يـدي فـي الزّحام !

فهل يـعيد الزمانُ عـمري إليّ؟

هل يـعيد قوةَ والـدي وهو يـنهانـي عنكَ ؟

أو حدّةَ نـظرة أمـي وهـي تـرانـي متلبسةً فـي التحديقِ بك؟

أو يـعيدُ إلـيّ صوتَ أخي وهو يـنهرني لأتوقفَ عن ثـرثـرتـي الـمكشوفة بك؟

كـان حديثـي عنكَ ثـرثـرةَ طفلـةٍ عـلـى أبوابِ الـحلـم

وكـأنك كنت أجـملَ اكـتشافٍ لطفلـةٍ قررت أن تكبرَ قبل رفيقاتِـها !

فهل يـعيد الزمانُ الـذي أعـادك تفاصيلـي القديـمة إليّ؟

هل يعيد غضبَ معلمتـي وهـي تلمحني سارحةَ الفكر بك ومنهمكةً بالكـتابةِ إليك؟
فأنـت الـحبُ الأخضر الـذي نـبت عـلـى مقـاعـدي الدراسيّة ..

أنت الـحرفُ الـذي كـتبته فوق درجـي الـخشبيّ وفـي كـرّاسةِ واجبي الصغيرة
أنتَ الـحرفُ الـذي علّقته سنواتٍ فـي سلسلـةِ مفـاتيحي

فهل ما زال حرفـي فـي سلسلـةِ مفاتيحِك؟

هل ما زالت أشرطةُ أغنياتـي الـمفضلات فـي خزانةِ سيارتِك؟
فالزمانُ تـغير والتفاصيلُ تـغيرت وماتـت تفاصيل زمانِـنا يا سيدي وتغيرت طقوسُ الـحكـايـاتِ فيه ..
فلـم يـعد الـحبُ ستـراً وسهراً وأمانـة !

ولـم تعد فـي دفاتـرهـم وردةٌ حـمراء ولا عـلـى كـتبِهم قلبٌ أحـمر

 يـحمل حروفَ أسامـيهم الأولى ..

ما زلت دهشةً أحقاً هذا أنت؟
أنـتَ الـذي فتـح قـلبي عـينيه عـليك

أنتَ الـذي عـلمني حبُك الوقوفَ أمام الـمرآة

 أنتَ الـذي كبرت أمامَ الـمرايا من أجلِك

وخضت من أجلِك تـجربةَ فكّ الضفائـر

وتـجربةَ الكعبِ العالـي وتـجربةَ الفستان الطويل

وتـجربةَ الـحِنّاءِ والعباءةِ والعطور والبخور والعود..

أنتَ كـنت أهـمَ تـجاربـي للدخول إلى عـالـم الكبار

فكنت أريد أن أتـخلصَ من طفولتي سريعاً..و أكبـرَ قبل رفيقاتـي

كي  أختـصرَ الـمسافاتِ بين طفولتي ونضجِك !

أهذا أنت؟
أيُّ صدفةٍ قاسية تـقذف بكَ فـي طريقي كـقطعةٍ من عـمر فـي هذا العمرِ من العمر؟
وكـأن السنواتِ النائـمة تستيقظ من نومـها فزعـة ..

يا الله….. فـجأةً كـأنّ عـمري تـحول إلـى عش عصفورٍ صغيـر نسفته بكـل سهولةٍ ريـحٌ عـابرة

فـتبعثـرَ أمامـي بكـل التفاصيلِ الـدقيقة به
التفاصيلُ القليلـة التي أحتفظ بـها منك
فأنا لا أحتفظ منك بالكثير

لأنك غـادرت قبل الهواتفِ الـمتحركة وقبل الـرسائلِ وقبل الوسائطِ الـمتعددة

قبل الإيـميلات وقبلَ وسائلِ التواصلِ الإجتـمـاعي ..

أنت غـادرت حين كـانت تفاصيلُ الـحكـاياتِ تُـكتب فـي مذكـراتٍ صغيـرة وتُقرأ بالسر بعد إغـلاق الـمصابـيح ..

وكـنت أنت فارسَ حكـايـاتـي في دفتـرِ مذَكـراتـي ..

دفتـري الـذي أحرقته خوفاً من عـاداتهم وخوفـاً من رحيلٍ مفاجئ تـتعرّى فيه خصوصياتُـنا وأسرارنا ..

ورسائلُك كـانت أكبرَ أسراري ..

كـنت أحفظهـا كـبياناتـي الرسـمية وكنت أخفيـها فـي خزانةِ ملابسي

 إلا رسالتكَ الأولى وضعـتـهـا في كـتابٍ ربـمـا أكـلتـها أوراقُ الكتـاب الآن

فأنا كبرت ولـم أعـد أذكـر فـي أي كتابٍ أخفيتُـها عـنهم !

أنا كبرت وثقلُ عـمري أكثر مـمـا تـتخيل لكني لـم أشعر بـثقل العمر إلا حين لـمحتُ شعيراتِ ذقنِك الـبـيضاء.

فأيـن أفرُّ الآن منك والبحرُ الـذي كبرت عـليه طفولتُـنا وتعثرت أقدامُنا الصغيرة بـرمالـه ابـتلـعَ رمالَ الـمدينة وتـحولَ إلى جزيرة ..

والصديقةُ التي كنت أحدثـها عنك لـم تعد صديقة؟
أيـن أفرُّ الآن منكَ  وقد عـاد إلى أذنـي ضـجـيجُ كل الأغنياتِ التي أحببتها من أجلِك

 واستيقظَتْ كُـلُّ الأصواتِ في أذنـي (الصوتُ الـجريـح وكوكبُ الشرق وفـنانُ العرب)

فيروز تـردد ( نطرت ع بابـي بـليلـة العيد .. مرؤوا كـل صـحابـي وحدك اللي بعيد)؟

أيـن أفرُّ الآن منك وأنت الـذي وقفت عـلى بابـي سنواتٍ طويلة

 لأن مثلَك لا تليق النوافذُ به ..

فأنت كنتَ أغـلى من طرق بابـي وأغـلى من لـم يُفـتح له؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
dimahna