ترحيب

الراحلون الأعزاء شكراً ..

لكثرة تَكْرار حالات الفَقْد في حياتي ، أصبح للفراق علامات تسبقه ..

فكلما أطلَّت هذه الطفلة من داخلي خائفة حزينة ، شاحِبة الوجه ..

أدركت انني أقترب من حالةِ فقْدٍ عظيم…

فاسمحوا لي ان أكتب هذه الرسالة لأمي الثانية ، جدتي ،

وأنصحكم بتجنب القراءة إن كانت جروحكم الداخلية لفراق أحدهم مازالت مكشوفة ،

لينة ، مبللة لم تنشف بعد ، نازفة لم تلتئم ! فالوجع بين السطور قد يؤذيها …

فالمرسل إليه هو

( أمي مريم بنت راشد الفلاسي)

من هي أمي مريم ؟

هي ليست أمي ..لكنها أمي وأكثر ..

فالحياة قد تمنحنا أحياناً أكثر من أُمٍّ..

وأنا الطفلة التي منحتني الحياة أكثر من أمٍّ..

لا أعلم لماذا أتجمَّل أمامكم الآن و أناديها على الورقِ بأمي مريم ،

ربَّما هذا ما تتطلَّبه اللغة كي تبدو الكلمات أرقى ،

لكننا عند تعرضنا للحزن لانهتم باللغة كثيراً ولا نهتم بالنحو ولا بالتعبير .. ولا

بتنسيق العبارات كي تبدو أجمل!

فعند الحزن نحرص فقط على الكتابة بصدق ، وعلى مقاومة البكاء عند الكتابة قدر استطاعتنا..

لكنني الآن أبكي ، أبكي إلى الدرجة التي أسمع فيها صوت بكائي، ولا أخجل من أخباركم بهذا !

كما لا أشعر بالخجل من اخباركم انني خارج الورق لم أكن أناديها بأمي مريم ،

كما يفعل بقية أحفادها …

فأنا كنت أناديها ب ( ماماه )

هكذا اعْتذت منذ أن أنعم الله علي بنعمة النطق ….

( ماماه ) الكلمة التي قد تختصر كل ما أرغب بكتابته عنها هنا ..

فعندما أكتب عن ( ماماه ) فأنا أكتب عن عن الجزء الأجمل من عمري ، عن أصدق مراحلي ،

عن طفولتي ومراهقتي وشبابي ونضجي ..

حين أكتب عنها فأنا أكتب عن المعيريض ، عن المنزل القديم ، عن الغُرفِ الآمنة ،

عن الطرقات العتيقة ، عن شجرةِ اللوز الشامخة في مُنتصفِ المنزل الأول ،

عن الليالي الماضيات من الزمن الجميل ،

عن طقوس الأعياد ، عن الأفراحِ، عن الأحزانِ ، عن الضحكات التي بقيت مختبئة في جدرانِ تلك المنازل !

حين أكتب عنها فأنا أكتب عن جدي ، عن أبي ، عن أمي ، عن عمي سالم ، عن عماتي الحبيبات ،

عن أحمد ، عن فاطمة ، عن منى ، عن يدوه عفراء ، عني انا ….

امي مريم في ذمة الله ..

هكذا وصلني النبأ الحزين ، عبارة في جهاز بارد ؟

أيّة غربة تعيشها أرواحنا على الأرضِ ؟

أيَّ زمنٍ مرعب تواجهه قلوبنا الآمنة ..

كتبت كثيراً ولم أبدأ رسالتي بعد !

أمي مريم ..

تحية طيبة كروحك الطيبة ..

عليك السلام والأمان ..كذلك الأمان الذي كنت أستشعره وأنا برفقتك طفلة سعيدة..

أمّا بعد ؟

وماذا بعد ؟

وأيّ بعد ؟

وهل بعد فراق الموت بعد ؟

لحظة من فضلك، أيتها الأم الشامخة العظيمة .. أين ترحلين ؟

وكيف ترحلين ، قبل أن أطبع على جبينك قُبْلة حب وامْتِنان،

وقبل أن أخبرك انني ممتنة لك بالكثير …

ممتنة على طفولة سعيدة ، سعيييدة جداً …

فأنا الطفلة التي عاشت برفقتك طفولة سعيدة ،

أنا الطفلة التي اصطحبتها في مناسبات الحي السعيدة..

أنا الطفلة التي كانت تنام على حجرك

وتشعر بفرحة كبرى حين تفتح عينيها في الصباح لتجد نفسها في غرفتك ..

آآآه يادفء تلك الغرفة الممتلئة بعود الزمن الجميل …

أنا الطفلة التي كنت أناديكِ (ماماه ) بينما يناديك البقية بأمي مريم …

أنا طفلة جدي المدللة …وأنت شطر جدي الأجمل ، رائحة جدي وزمن جدي وقلب جدي …

أنا هنا ياأمي ، لم أعد مدللة فحالات الفقد المتكررة سلبتني الكثير من أفراحي ..

وحولتني إلى طفلة وهنة ..اختبأت كي تبكيك بحرقة ..

لحظة من فضلك

لا تغادري قبل أن أحدثك عن المتأخرات التي تأخرت في اخبارك بها …

لا أعلم كيف سرقني العمر ..وكيف مضت الأيام بهذه السرعة

ولم انْتبه إلى عقارب الزمن التي كانت تتجه نحو النهاية بسرعة مخيفة ..

ولم تمهلني لأخبرك بالكثير الذي ودِدْتُ اخبارك به ..

فأنا أردت أن أخبرك عن فرحتي حين كنت أجلس بجانبك

وأنتِ تضعين الحناء في باطن كفي وعلى أطراف أناملي الصغيرة ..

لأتحول إلى طفلة سعيدة ..

أردت أن أحدثك عن حجم سعادتي حين تأتين لزيارتنا في منزلنا القديم ..

وأسمع صوتك ينادي أمي : بنت يوسف ، بنت يوسف.. بنت يوسف ..

رحلتي دون أن تعلمي ان بنت يوسف تنام على سريرها الطبي ،

ودون أن تعلم هي أيضاً انك في مساء الأمس الحزين قد رحلتي..

فمن أصعب الأمور ياأمي وأوجعها أن ننعي عزيز لعزيز ..

ماذا أكتب لك ؟ وماذا أكتب عنك؟

وهاانت ذا ترحلين ..وها أنا أتخلص من كل سنواتي الكثيرة ،

وأعود طفلة في الثانية أو الثالثة أو الرابعة من عمرها ،

تمسك طرف عباءتك ، وتمشي معك في طرقات الحي القديم ..

فأنت كنت معي في كل بداياتي ، أمسك يدك ،

أختبىء تحت عباءتك ، أرافقك إلى منازل الجارات الطيبات…

وها انت ذا ترحلين …وها أنا أعود طفلة صغيرة ،، لا حول لها ولاقوة….

فالأحزان تذيب سنواتنا بسهولة تامة …

الأحزان تعبث بأمن نضجنا ، تقطع كل سلاسل الاحْتِمال مهما بدت قوية ،

وتزرع فينا من خوف الصغار الكثير …ا

لأحزان تسخر من قوتنا وتماسكنا وقدرتنا على الوقوفِ ، فننحني أمام الأنباء الحزينة بقوة ،

ننحني حتى نصبح أقصر قامة ، كالأطفال تماماً ….نبحث عن أحضان أُمهاتنا ، عن رائحة ملابسهن،

عن ملمس كفوفهن ، عن أيِّ شيء له صلة بالأم …فبقايا الأُمهات هي صناديق أمان لأعمارنا ،

أمي مريم

أيتها المرأة التي كانت رائحة عباتها وطن أمان..

تنسكب الذكريات فوقي الآن …كأنها شلال انهمر من جبل الأمس …

كأن غيمة الأمس قد أمطرت فوق رأسي ….فاسقطت كل التفاصيل القديمة …

فاستيقظت في داخلي كل الصور وكل الأصوات …

ففجأة أصبح للسنوات صوت ،

كأن المنزل القديم يبكي…كأن النوافذ تنتحب ، كأن الطرقات

أصبح لها أنين…

فجأة ارتفع بكاء المنازل العتيقة

الغرف الآمنة ، فناء المنزل الكبير ، شجرة اللوز ، وهمسات الراحلين …

فجأة عدت أنا طفلة ألوح لك بيدي أناديك باكية ، أرجوك أمي عودي ، عودي ، أين ترحلين !

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
dimahna