الطرقات
(بعضُ الطرقاتِ صناديقُ أسرارٍ وذكـرى)
أنا هنا حيث كـنتُ منذ سنوات
وأعـلـم أن السنواتِ لـم تعد هنا
وأعـلـم أن الروايةَ قد انـتهت
وأن النقطةَ الأخيرة فـي السطرِ الأخيرِ قد وضعتـها الأيامُ منذ زمن
وأعـلـم أن رفاقـي خلعوا أجنحةَ أحلامِـهـم وغـادروا سيراً عـلـى الأقدام
وأعـلـم أن العـناكـبَ استوطنت قديـمَ ألعابـي وقديـمَ دفاتـري وقديـمَ مـمتلكـاتـي
وأعلـم أن يدَ الوقتِ مسحت كتاباتِ قلمـي وملامحَ رسوماتـي وآثـارَ عبثي فوق جدرانِ جيرانـي
وأعـلـم أن كـبارَ جيرانـي غـادروا الـحياةَ وأن صغارَهـم غـادروا الأمكنة
وأعـلـم أنـي حين غـادرت ذاتَ مساء كـنت مسرعـةً جداً ..كـرياحٍ عـاتية أو كــعـاشقةٍ تركض باتـجاه موعـدِها الأخير..
فـنسيت إغـلاقَ الشبابـيك وإحكامَ إقفال الأبوابِ خلفي !
وربـمـا تعمّدتها فأبقيتُ الـمنافذَ مفتوحةً لأنـي خشيت أن يطولَ غيابـي
فـتـموت كـلمةُ السر في ذاكـرتـي ..
وأبـقـى وقـتَـها عـاجزةً عن الدخول إلى أمسي كـمنفيةٍ من وطن
فأحياناً نحمل أمسنا معنا كــقـنينةِ ماء شفافةٍ نـنظر إليها من الـخارج ..
ونـتـابـع التفاصيلَ بـحنين ..
نتذكـر ونـبتسم بـألـم ونـتـمنى الدخولَ إليـها كثـيـراً ولا نستطيع
فـمـع الوقت تـتحول مراحلُنا وتـفـاصيلُنا إلـى لوحةٍ زيـتيةٍ ملونة تـزيـن جدارَ ذاكـرتِنا
وعند الـحنيـنِ ندقق فـي اللوحةِ كـثيراً ونـسافر بـها كـثيراْ ونعود !
وها قد عـدتُ كـمـا حدثـني قلبي يوماً
عـدتُ كـأميرةٍ مـهزومةٍ أجرُّ فـي أقدامـي الكثيرَ من خيباتِ الوقت
ومن خيـباتِ زمنٍ لا يشبهني وخـيـباتِ أحلامٍ ذبلت بعد اخضرار !
ها قد عـدتُ كـمـا توجّس وتشهّى قلبي دوماً
أبـحث عن نقنقة دجاجِ جارتـنا الـمسنة بـعيداً عن نباح كلبِ جارنا الـجديد !
أبـحث عن دفءِ أحاديـثِ الـجارات فـي طرقاتِ الـحارات
بعيداْ عن ثرثرةِ السياسةِ في تويتـر والفيسبوك
بعيداْ عن صفحاتِ التواصلِ الاجتـمـاعي
تلك الصفحاتُ الباردةُ كـالـمدنِ الكبرى !
كـالغرفِ مكشوفة السقفِ
كـالطرقاتِ الـمرعبةِ مساءً
كـالـحكـاياتِ الـمخيفةِ قبل النوم !
هأنذا أعود إلـى هذا الـمكـان
أعود لا أحـملُ فـي يدي حقـيـبَتي الـمدرسيّة
لكن في داخلـي رهبةَ العودة الأولى بعد الغياب
تـمـاماً كـرهبةِ اليومِ الـمدرسـي الأول والـحصةِ الأولى والـدرس الأول والواجب الأول !
لا أعـلـم من تبقّى هنا؟
لكـني عـدتُ أحـمل فوق أكتافـي من الـحنينِ جبلاً
جبلاً لا ألـمحه لـكـني أستشعره جيداْ
فهل من أحدٍ هنا ؟
هل من عطرٍ قديـمٍ مختبئٍ بين الزوايا فيتسرب من مخبئه ليعيدَ لـي الزمانَ والـمكـان والتفاصيل
هل من رفيقِ طفولـةٍ تـحايل عـلى الوقت ونـجحَ فـي ألا يكبر؟
هل من صديقٍ ما زال يمـارس الكـتابةَ عـلى جدرانِ أهالـي الـحي؟
ويغني للغيابِ أغنيةَ حنينٍ حزينة
هل من طفلٍ قديـمٍ هنا سيهبُّ لاستقبالِ الطفلـةِ القديـمةِ العائدةِ فـي ملامـحي؟
أيـن أهلُ الـدار؟ أين رفاقـي؟
أين عروستي التـي حاكـت لها أمـي قطعَ الـملابس الفائضةِ من ملابسِها؟
أين عباءةُ الـمطر التي صنعتها لـي جدتـي؟
أينَ جدتـي؟ أين يا وقتُ جدتـي؟
أينَ رفيقُ طفولـةٍ عـلمني الكـتابةَ صغيرةً وعلمتهُ القراءةَ كـبيراً
فكـنت أتسللُ إلـى هذا الـجدار جـهراً كـي أكتبَ له وكـان يتسللُ بعدي سراً كـي يقرأَ لـي؟
أيـن أرواحٌ كانت تتسللُ كلَّ مساءٍ إلـى هنا
أين فرسانُ طفولتي؟ أيـن بطلاتُ ألعابـي؟
فهنا أكوامٌ من الأجنحةِ لكن لا طيورَ هنا
هل وصلتُ متـأخرة؟
هل رحل الـجميـعُ ونسوا أخذَ أجنحتِهم؟
لهذا تـخبطوا كثيراً خارجَ أسوار الـمكـان
وعـجزوا عن الطيران
وكلّـمـا ارتفعوا تساقطوا !
آآآآهٍ أيها الزمان! ما أثـقلَ وزنَك عـلى ظهورِنا وأكتافِنا
فكـلمـا كبرنا نـحن ثـقلت أنت
وكـلّـمـا حـملناك انـحنيـنا كـثيراً..
فيا رفاقـي أنا هنا..
جئت ومعي مظلاتُ مطرٍ بعدد إخوتـي فأيـن الـمطر؟
جئت ومعي (مصاصاتُ حـلاوةٍ ) بعدد رفاقـي فأيـن رفاقـي؟
جئت ومعي عرائسُ قـمـاشيةٍ بعَددِ صديـقاتـي فأيـن صديـقـاتـي؟
جئتُ ومعي قطعُ فحمٍ كـثيرة فأيـن جدرانُـنا القديـمة ؟
جئتُ ومعي كـراسةُ رسـمٍ وألوانٌ مائيةٌ وشـمعية وخشبـية فأيـن حصة الرسـم؟
جئت ومعي أكـوامُ ورقٍ ملون وخيوطُ حريـرٍ ملونة
فـمن سيصنـعُ لـي طائـرةً ورقية؟
ويـهديني البحرَ والهواء والرمل ويـسترني عن الأعـيـنِ كـي أمارس طفولتي !
2022-09-26