ترحيب

عابر عمر (١)

 

(الذين يعبرون الطريق ..يقتطعون مسافاتهم من الطريق..والذين يعبرون الأعمار..يقتطعون مسافاتهم منا)

****

سيدي البعيدُ جداً من موقعي، القريـبُ جداً من أعـمـاقي
لا أعلـمُ هل  تضخّم بـي الـحزنُ فأصبحتُ أكـبـرَ من الوجودِ أم ضاق بـي الوجود
فأصبح أصغرَ من حزني !

النتـيـجةُ واحدةٌ يا سيدي
فبقعةُ الأرض هذه ما عـادت تـتسعُ لي

وبـقعةُ الأرضِ التي كنتُ أقف عـليـها أصبحت الآن تـقف عـلـيَّ
والـحملُ أكبـرُ من الكـتابة،

والـحملُ أثـقلُ من الـتـنفس وحاجتي إلى الـتـنفس جعلـتـني أبـحثُ عن وطنٍ يـكـتـظ بالهواء،

 وطنٌ يـمنحُني الـحياةَ بلا حدود، وطنٌ يـعيد الأرضَ إلى قدميّ ويـعيد قدميَّ إلى الأرض،

 وطنٌ يـجعلني فوق الأرض ويـجعل الأرضَ تـحتي رحبةً واسعة كـأحلامِ طفولتي،
وأظنكَ ذلك الوطن أو هكـذا يـخيّل إليّ أو هكـذا تـمنيتُ دائـمـاً،

ولـيس كـلُّ ما تـمنـيـتُه منحـتني إيـاه الـحياة بالرغـمِ أني منحـتُـها الكثيـرَ مني
وظننـتُـها ستشبـهـني،ستـقلـدني في العطاءِ لكـنـها خذلتني، سرقـتني وأخذت كـلَّ شيء
ولـم تـمنحني إلا القليل.

فيا وطناً من أيـن أبدأُ؟
من البدايةِ التي ما عـدتُ أذكـرها أم من النـهايةِ التي لا أريد أن أذكـرَها
فأحياناً تـتشابه بـدايـاتُـنا ونـهايـاتُـنا حَدّ الـملل

فَيا سيدي أجبني من أنا؟ وعـلى أيّ الـمحطاتِ أقف الآن؟
ولـمـاذا أقف الآن في انـتظارِ معجزةٍ تـعيدني إلى الـحياةِ أو تـعيد الـحياةَ إلـيّ،

لا تـندهش لسخافةِ سؤالي، فأنا أضعتُ أنا، وجئـتُك أبـحث عـنـها وعن أنا وعن ذاتـي
ليقيني أني لن أجدَ نفسي الـحقيقيّةَ إلا لـديـك !
لأنك أنتَ أصولي وجذوري وأعـمـاقُك هي صندوقي الذي أخبـئُ فيه كـلَّ ما أخشى عـليه من الأيام..

وذاتُ يـومٍ خبأتُ نـفسي الـحقيقيةَ بك، نـفسي التي لا تشبـههم وتشبـهني وغـادرتُك بالنفسِ الأخرى التي تشبـههم ولا تـمتّ لك أو لي بأيّ صلـة،

كنت سعيدةً بـهذه النفسِ لقدرتِـها الفائقة عـلى التأقلـمِ مع عـالـمِهم التـافه
وأجدْتُ دوري بـبـراعـةٍ وكـثيـراً ما صفقتُ لنفسي بـيني وبـيـن نـفسي
لكـنني الآن أشتاق إلى نفسي الـحقيقية تلكَ النفسُ التي خبأتُـها فيك
فـجـئـتُك وفي داخلي رعبُ الـدنيا كـلّـه أن تـكونَ قد فـتحتَ لها أعـمـاقَك ذاتَ لـيلـةٍ بـاردة وأطلقتَ سراحَـها منك،

تـرى؟ هل ما زلت تـحتـفظُ بـي؟

هل ما زلتَ   تـحتفظ بـالنسخةِ الأصلية لـملامـحي؟
أشتاقُ كـثيـراً إلى ملامـحي القديـمة، فهل سأراها في مرآتِك؟

خدعـتني مراياهُـم كـثيـراً يـا سيدي ومنحتني وجـهاً ليس وجـهي وجسداً ليس جسدي
وأحلاماً ليستْ أحلامي
فتضخّمتُ في أعـيـنِـهم في الوقتِ الذي كـنتُ أتضاءلُ فيه في عيني !

وسافرت،
نعم، سافرتُ في كـل القلوبِ وكنت أتـركُ في كـل قلبٍ حلمـاً نـاقـصَ الـنـمو
وأرحل وأغـادر أعـمـاقَهم متسللـةً كـاللصوص

وأحرص حرصاً تـاماً عـلى ألا تـبقى فردةُ الـحذاء الذهبيّ خلفي كـي لا تـعيدَهـم إلى عـالـمي الـذي لا يـتسعُ إلا لك !

أرحلُ بـحثـاً عن حكـايةٍ جديدة،
حكـايةٌ مـختلفة في فصولِها وطقوسِها وتـضاريـسِها لكنني اكـتشفت أن الـحكـاياتِ تـتـشابه
والتضاريسَ تـتـشابه إلا الإحساسَ، وحدَه الإحساسُ يا سيدي يـبقى مـخـتلفاً كـبصمـاتِ الأنامل !

فعشتُ سنواتٍ أبـحث عن ذلك الإحساس الـمختلفِ لكن ذلك الإحساسَ لـم يـأتِ بعد
وربـمـا لن يـأتي أبداً،
وهنا تـكـمن مرارةُ اليقيـن، اليقيـنُ بأن القادمَ لن يـكونَ أفضل ولن يـكونَ أجـملَ ولن يـكون مـختلفاً
وأنك وحدَك الشيءُ الـمختلفُ الـذي لا يشبـهه في قلبي أو حلمي أو خيالي شيء !

فـيا سيدي الوطن ويا وطني السيد
نـمتُ عـمـيقـاً نـمت طويلاً واستيقظتُ بالأمس ولا أعـلـم لـمـاذا استيقظتُ
وأيُّ صرخةٍ قاسيةٍ للواقع أيـقظـتـني وزلزلت أحلامي
وإذا بالوجوهِ ليست بالوجوه وإذا الأصواتُ ليست هي الأصواتُ وإذا الأماكـنُ ليست هي الأماكـن ولا الأحلامُ هي أحلامي ولا الزمانُ هو زمانـي ولا أنا التي يعرفونـها هي أنا التي أعرفُها أنا وتـعرفُها أنت !

ففجأةً شعرت يا سيدي بـأنـني خارجُ نطاق الزمانِ والـمكـانِ والأحلام
وبـأن أحلامي كـانت ضرباً من الوهـمِ والـجنونِ والشقاء والغباء
فذاتَ يـومٍ يا سيدي كنت سيدةَ الـحلـمِ في عـالـمٍ بنفسجي اللونِ مـخمليّ الـملمس،

ذاتَ يـومٍ كـانت لـدي قدرةُ الـحلـمِ بـالـمستحيلِ الـجميلِ
فـحلمت بـما لـم تـحلـم به أنثى قبلي مارستُ كـلّ أنواعِ الأحلامِ الـمستحيلـة يا سيدي
تضخمتُ بالأحلامِ قدرَ استـطاعتي ولم أدرك إلا بعد فواتِ الأوان
أن للأحلامِ عـملـةً تُـدفع من رصيدِ العمر فـمـا أغـلى ثـمنَ الأحلامِ يا سيدي.

فَيا سيدي الـحلـم،
هل تـعلـم أنك الـحلـمُ الـذي دفعت ثـمنَه من رصيدِ سنواتي وأعـلنت إفلاسي
من الألـمِ والأحلامِ بعدك ؟ فكـلُّ الأحلامِ التي عشتُـها بعد رحيلِك كـانت بلا ثـمن
فهل أدركـت الآن من أنت؟ من تـكون؟ وأيـن موقعُك فوق خـارطة قلبي؟
وما حـجمُ وجودِك فوق خـارطةِ أحلامي؟

أنت عـابـرُ العمر
آهٍ لو تـدرك معنى وحـجمَ ومكـانةَ عـابـرِ العُمر
في زمنٍ يـجيدون فيه عـبورَ الوسائدِ والسبـيل.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
dimahna