صفحة من الرواية :
في كلِّ درجةٍ من سلَّم حياتنا ، نتوقفُ قليلًا ، لنتذكر بعض الوجوه وبعض المواقف ،
فنبتسمُ بفرحٍ أو بألمٍ أو بسخرية ..
وحين انتهيتُ من كتابة هذه الرواية ، ابتسمتُ بفرحٍ ساخرٍ ،
وتذكرتُ بعض الذين أوجعوني ، أولئك الذين امتدَّت أياديهم
ومواقفهم وكلماتهم لتنحت بي من الوجع الكثير ،
والذين حاولوا بشتّى الطرق أن يشكِّلونني كما يرغبون ،
وفشِلوا حين اكتشفوا أنني لستُ قطعة عجينٍ قابلةً للتشكيل
حسب أذواقهم ونفسياتهم وشخصياتهم ..
فأغلب هؤلاء صادفتُهم في المراحل الأولى من عمري ،
حين كان ذلك المقعد الخشبيّ في قاعة الدرس يمثل لي مساحةً من الرعب ،
مساحةً يعلو فيها صوت (المعلمة) بتعليقاتٍ ساخرةٍ حين أفشلُ
في الإجابة عن ناتج (عددٍ) يُضاف إلى آخر ،
فتتبع كلماتها ضحكاتٌ من رفيقاتٍ كنَّ أصغر من استيعاب وجع الموقف ..
تُرى وهم يغرسون تلك الأشواك في أقدامِ طفولتنا الحافية ، هل كانوا يدركون
أننا قد نكبرُ ولا ننسى ؟ وأنَّ بعض التفاصيل تكبرُ معنا حتى تصبح أكبر منا ؟
وأنَّ هناك أشياء تصبح جزءًا من الذاكرة فلا تسقط مهما حاولنا إسقاطها ،
كأنها جنينٌ حديث النمو أرادَت الحياة أن ترفضه وأن تمنع دخوله إليها بشتى الطرق ،
لكنّه قاومَ حتى انتصر عليها ، ودخلها بصرخة ميلادٍ قويةٍ .
نعم ، تذكرتُ عند كتابةِ هذه الرواية أولئك الذين مرّوا عمري كغيمةٍ من وجعٍ،
ورفضوا أن يعبروا عمري بسلامٍ قبل أن يتحولوا إلى كتلةٍ من ذكرى (حزينةٍ) لكنها ما عادَت تؤلم ،
وكأنَّ الحياة قد كتبت لهم دور الوجعِ القصيرِ على مسارح عمري ..
فهُنا ، تذكرت تلك (المشرفة) التي كانت تحرص على أن لا نغادر طفولتنا بسلامٍ ،
وترفض أن نكبر للدرجة التي تبيحُ لنا التخلّي عن الزي المدرسي
في احتفالات المدرسة المختلفة ،
وترفض أن نرتدي أحذيةً ذات كعوبٍ عاليةٍ ؛
كي نصبح أطول قامةً فنعلن للحياة خروجنا من مُدن الطفولة ،
وتحتفظ بكلِّ مصوغاتنا الذهبية في مظروفٍ خاصٍّ لتسليمها لوليِّ أمرنا ،
وتنعت بـ (قلَّة الأدب) كلَّ مراهقةٍ تحتفظ في جيبها بمرآةٍ صغيرةٍ ، وبقلم أحمر شفاهٍ مضيءٍ .
وهنا تذكرتُ معلمة اللغة العربية التي كانت تطلبُ مني إحراق كتب نزار قباني
والتوقف عن قراءة شعر الحب والغزل ،
وتبعثر حقيبتي المدرسية بحثًا عن ديوان شعرٍ لا يقلُّ في نظرها
خطورةً على مراهقتي من قطعة أفيونٍ ممنوعٍ .
فكانت تسلب فرحتي بالكتب حين تأخذها مني وتحادث ولي أمري لاستلامها ،
وتوبخني أمامه بصوتٍ مرتفعٍ كأنني فتاةٌ سيئة التربية تخلَّت عن أدبِها
حين اقتنَت ديوان شعرٍ يتحدث :
عن الحب وعن الحنين
عن (ودَع) نساء الغجر
وفرح العاشقات
بأطواق الياسمين ..
وتذكرتُ معلمة التربية الإسلامية التي كانت تُحدثني عن النار التي لن تشبع من النساء ،
وعن الشياطين التي ستقيمُ تحت أظفاري إن أنا أطلتها ،
وعن أهمية الابتعاد عن صديقتي غير المسلمة لأنها كانت تجلسُ وقت الصلاة في قاعة الدرس ،
وكانت تتخفى عن الأعيُن لتتناول وجبتها في الشهر الكريم .
ونسِيَت أن تُحدثني عن الجنة ، وعن أبواب التوبة والغفران والرحمة
والتسامح والحرية ، وأنَّ (لا إكراهَ في الدين) .
تذكرتُ معلمة الرياضيات التي جعلتني أكرهُ الأرقام كثيرًا حين تعاقبُني بكتابة جدول الضرب عشرات المرات ،
وكانت تؤكد لي في كلِّ مرّةٍ أفشلُ بها في حلِّ المعادلة الحسابية أنني حين أكبرُ سأصبحُ فتاةً فاشلةً ،
وتردِّدُ عبارتها تلك وهي تنظرُ إليَّ بحدَّةٍ ، كأنها امرأةٌ غجريَّةٌ تتنبَّأ لي بما يهمس به لها الودع كما تدعي ..
وكنتُ أسمعُها حين أعودُ إلى طاولتي باكيةً تردِّد بثقةٍ : (لن تُفلحي يومًا في شيءٍ) .
إلى كلِّ هذه الوجوه التي تراقَصَت أمامي بمجرَّد انتهائي من هذه الرواية ، كأنها تحتفلُ معي باكتمال كتابي الجديد ، وإلى كلِّ أبطال الوجع والإحباط في حياتي ..
لا أعلمُ ماذا فعَلَت بكم الأيام ..
وعلى أيِّ شواطئٍ رَسَت بكُم سفن الحياة ..
لكن أنا هنا الآن ..
وفي مقدمة هذا الكتاب التاسع لي ..
يهمني أن أُخبركم أنَّ توقعاتكم بشأني لم تصدُق ..
وأنَّ الفشل لم يكُن يومًا رفيق طريقي ..
وأنَّ تلك الطفلة الشقيَّة التي كانت تُقلِّبُ كتب الكبار سرَّا ..
وتسحبُ المقعد قبل أن تجلس عليه رفيقتها الصغيرة ، وتضحكُ كثيرًا حين تقع للخلف ،
وتأكلُ وجبتها قبل الفسحة المدرسية ، وتزاحم رفيقاتها للوصول إلى نافذة المقصف المدرسيّ ،
وتقفُ أمام المعادلة الرياضية عاجزةً عن حلِّها ، وتتوترُ كثيرًا حين تطلب منها المعلمة أن تُنشد النشيد التي حفظته ..
وتدعو الله في سرِّها أن يدقَّ الجرس ليعلن انتهاء الحصَّة الدراسيةَّ قبل وصول الدور إلى رقم مقعدها ..
لم تفشل كما توقعتُم لها ..
ولم تعلِّمها قصائد نزار قباني قلَّة الأدب كما صرخت بها معلمة اللغة العربية ،
ولم تؤثر صداقتها لذات الديانة المختلفة على عقيدتها وإيمانها كما حذرتها معلمة التربية الإسلامية .
هذه الطفلة ..
نجَحَت في أشياء كثيرةٍ ، و(أفلَحَت) في أشياء جميلةٍ ، أجمل من المعادلات الحسابيَّة ،
وأصعب من جدول الضرب ، وضرَبَت بعرض الحائط تلك النبوءة القاسية
لمعلمة الرياضيات التي كانت تصرخ بها في كل صباحٍ : (لن تُفلحي في شيءٍ) .
معلمتي الموقرة ..
أنا فشلتُ في الأرقام ، وأفلحتُ في الأدب !
شهرزاد الموقع الرسمي للكاتبة الاماراتية شهرزاد