بروتس !
(الـمؤلـمُ في خنجرِ بـروتس أنه لا يطعن الـجسد)
في حياةِ أغلبنا هناك بـروتس،
ذلك الشخصُ الذي لا نتوقع منه الـخدلانَ لكنه يـحدث
فبروتس تلك الروحُ التي نـمنحها من الثقة الكثيرَ ونـتحصّن بـها من غدرِ الزمان
ونـحتفظ بـها كالرصيدِ في خزائـنِ أعـمـارِنا.
فقد يـكون بـروتس قريباً يـربطنا به وريدُ دم
أو صديقٌ بيننا وبينه تفاصيلُ عِشرةٍ وثقةٍ ولقمة
أو حبيبٌ ظننّا لشدةِ التصاقنا به أنه نصفٌ لن يغدرَ يوماً بنصفِه الآخَر.
لكننا وفي لـحظةٍ ما قد نشهد انضمـامَ بـروتس إلى قافلةِ الآخريـن
يـمسك في يدِهِ ما يـمسكون من خناجرَ ويـرتدي ما يـرتدون من أقنعة،
عندها لا تؤلـمنا الطعنةُ بـمقدارِ ما يؤلـمنا الاكتشاف،
لأن في الكثيرِ من مواقفِ الغدرِ نـحن لا نتحسّس مواضعَ الألـم
بل نتحسسُ حـجمَ الدهشةِ التي يـخلّفُها بنا سقوطُ قناعٍ ما عن وجهٍ نـحبه
فنرددُ عبارةً تصحبـها ابتسامةُ ألـمٍ ساخرةٍ دون نطقٍ مسموع:
(حتى أنت يا بـروتس!؟).
نعم، حتى بـروتس
ففي زمنٍ مـخيفٍ كهذا الزمنِ الذي قُدّر لنا أن يـكون زمانَنا وأن نـكون أهلَه
لا بدّ ألا نستبعدَ وجودَ بـروتس في حياتنا
كـي لا نصابَ بصدمةِ الاكتشافِ عند الظهور،
فبروتس قد يظهر لنا في كل موقف،
في الصداقةِ في الـحبِ في العمل في التجارةِ في الـحياة,
وعند انتـهاءِ صداقةٍ ما في حياتِنا يـجب أن نتوقعَ ظهورَ بـروتس بـخنجرِه،
وعند صدمةِ حبٍ ما يـجب أن نتوقعَ ظهورَ بـروتس بـخنجرِه،
وعند إنطفاءِ الأنوارِ من حولِنا يـجب أن نتوقعَ ظهورَ بـروتس بـخنجرِه
وعند سقوطِ أهلِ الـمـال يـجب أن نتوقعَ ظهورَ أكثر من بـروتس بـخنجرِه،
فبروتس ما عـاد حالةً استثنائية.
قد تـختلف الـمواقفُ
وتـختلف الطرقُ
وتـتفاوت حدّةُ الدهشةِ وحدّةُ صدمةِ الاكتشاف
لكن آثارَ الـخرابِ في العمق تـكون واحدةً،
فكـم من الـمفاهيـمِ تـهتـزّ بنا
وكـم من الثوابتِ تـتـزلزل بنا
وكـم من الأعـمدةِ تـتكسرُ بنا
وكـم من الأسقفِ تـنـهارُ علينا
عند اكتشافِ وجودِ بـروتس في حياتنا.
فبروتس الـمـال يشعرُنا أننا في زمنِ الـمصالـحِ وأن الـمصلحةَ فوق كلّ شيء،
وبـروتس الصداقة يفقدُنا الكثير من الثقة في الآخريـن ويدفعنا إلى حالةِ حذرٍ شديدٍ وانطواء،
وبـروتس الـحب يـهزّ ثقتَنا بوجودِ حبٍ حقيقيٍ في عـالَـمٍ تغيرَت فيه ملامحُ الـحبِ كثيراً.
لهذا لا تـتخبّطوا عند السقوطِ ولا تـتلفّتوا عند سقوطِكـم كثيراً
كـي لا تلمحوا بـروتس في زحامِـهم،
وكـي لا تـمدّوا أياديـكـم للأقربِ طلباً لطوقِ النجاة،
وكـي لا تـكتشفوا أن سقوطَكـم
كان من فكرةِ وتأليفِ وسيناريو وإخراجِ وإنتاجِ الأقرب.
ومع الوقت قد نتعود على ترديد ( حتى أنت يابروتس )
وقد يُصيبنا منها الغاء التعود ..
وتبدأ مرارتُـها مع الوقتِ تقلُّ في أعماقنا!
لأن تـكرارَ الـمواقفِ وتـكرارَ ظهورِ بـروتس أمامنا
حوّلها إلى لعبةِ اكتشافٍ مسلية ومريرة
فهل شعر بـروتس بقوةِ مرارتِـها؟
هل أصابت فيه أشياءَ في الـمَقتَل؟
أم أن العبارةَ قد مرّت بـروتس مرورَ الكرام؟
تـمـاما كـمـا تـمرّ الكثيرُ من الـمواقفِ والعباراتِ على الـجاني مرورَ الكرام
فالقاتلُ آخر من يتسعُ وقتُه للإنصاتِ لصوتِ الضحية
والقاتلُ آخر من يسمع صوتَ الضحية
والقاتلُ آخر من يـمنح حقَّ الكلمةِ الأخيرةِ للضحيّة.
حتى التاريـخ لا ينصفُ الضحايا كثيراً
فهو يسجل اسـم الـجاني وتـتناقله الأجيالُ
كصكّ خلودٍ دنيوي،
بـيـنـمـا لا يتوقف التاريـخُ كثيراً عند ذكرِ اسـمِ الضحية،
فكـم من وفيّ مات ولـم يذكرْه التاريـخ
وكـم من خائـنٍ كُتبت له في التاريـخِ بعد مـمـاتِه حياةٌ أُخرى،
إذاً لـمـاذا يـكون التاريـخُ أحياناً أشدَّ وفاءً للخائـن منه للمخلص؟
وَثِقوا !
قد يظهر بـروتس أمامَكـم يوماً
فلا تـمنحوا لظهورِه أهـميةً تدفعكـم لنزفِ الكثيرِ من الصحة
وتعاملوا مع ظهورِه على أنه حالةُ اكتشافٍ مبكر
لـمرضٍ آنَ الآوانُ للتخلص منه وبترِه منكـم
وتـخلصوا مـمن لا يستحق البقاءَ بـكـم
واتـركوا بـينكـم وبـيـن الأقربِ مساحةً تقـيكـم بردَ الاكتشافِ ودهشتِه.
2022-09-24
إلى الأعلى