نزوة!
(بعضُ الفقدِ يدفعنا إلى النزوةِ دفعاً)
النزوةُ هـي تلك السَكرةُ
التي قالوا إنـها حين تذهب
تليـها فكرةٌ لا تـرحـم.
ونادراً ما تبدأ النزوةُ في الـمراحلِ الأولى من العمر
ربـمـا لأنـها ليست سوى وجبةٍ إضافية
لإنسانٍ يـمتلك وجبتَه الأساسية
فـمعظمُ النزواتِ التي تـتفجرُ في حياتنا
تظهر في حياتنا لإكـمـالِ نقصٍ ما أو لسدّ جوعٍ ما
وتفشلُ في سدّه وجباتُنا الرئيسية.
والنزوةُ كفتاةِ ليلٍ تعلِك علكةً ضـخمة
وتقف تـحت عـامودِ ليلةٍ أو مرحلةٍ من العمر
بانتظارِ إنسانٍ يتعطش للتجربةِ أو التغيير
فيرتوي ويغيّر ويغادرها متضخمـاً بالإثـمِ والندم.
والنزوةُ التي تبدأ في الظلامِ وتنتـهي في الظلام
تـتحول مع الوقتِ إلى ذكرى مغلفةٍ بالندم
لكن النزوةَ التي تبدأ في الظلامِ وتنتـهي في النور
تـتحول مع الوقتِ إلى شَرخٍ،
شَرخٍ قد تـزيد الذكرى من مساحتِه واتساعِه.
والفرقُ بـيـن حكايةِ حبٍ ونـزوةِ حبٍ
أن الأولى قد تدنّسها نـزوة
بـينـمـا الثانيةُ قد تطهّرها حكاية.
فالنزوةُ كالـمطبّ
تفاجئنا في منتصفِ طريقِ العمرِ أو منتصفِ طريقِ الـحكاية.
أو منتصفِ طريقِ الـحلـم.وتـزداد خسائـرُها وخطورتُـها بازديادِ قوةِ اصطدامِنا بـهذا الـمَطبّ الـمفاجئ.
وبعض النزواتِ كـومضةِ البرق.. تبدأ سريعاً وتنتـهي سريعاً
لكن قد يليـها من الأمطارِ والرعودِ ما يـزلزلُ من استقرارِنا وأمنِنا الكثير.
وللنزوةِ أقنعةٌ ووجوهٌ عدة
فبعضُ النزواتِ مـخادعة
تبدأ بقوةٍ حقيقة حتى يـخيّل إلينا أنـها مرحلةٌ هامةٌ من مراحلِ العمر
ونستـهلكُ الكثيرَ من الوقتِ والصحةِ والنقاشِ والصوتِ للدفاعِ عنـها كقضيةِ عـمر.
ونـزوةٌ خبيثةٌ..
تـجيد أدوارَ السعادة
فتسبغ علينا من أثوابِ السعادةِ
ما يصعب علينا التعرّي منه بسهولة
فنبقى تـحت غطائِـها فترةً أطولَ مـمـا يـجب.
ونـزوةٌ مـجرمةٌ
تتسرب إلينا عـامدةً متعمدة
كـصيادٍ ماهرٍ في ماءٍ عكر
وتنغرس بنا كجرحٍ طويلِ الأمد
ولا تغادرنا إلا بعد أن تطمئنَ إلى أن خسائـرَها بنا لا تـرمّـم.
ونـزوةٌ قاسيةٌ ,
تعترض طريقَ قافلتِنا
وتـجرّدنا من أمتعتِنا وقيَـمِنا ومبادئِنا وأحلامِنا السابقة
وتتخلى عنا حين لا يـبقى لنا سواها.
ونَـزوةٌ صديقةٌ,
تسترنا ونسترُها
تبدأ في الظلامِ وتنتـهي في الظلام
وهذه غـالباً ما نـحتفظ بـها في الـجانبِ الأخضرِ من الذاكرة.
ونـزوةٌ منتقمةٌ
تنسف عند اكتشافِها أركان حكايةٍ أو علاقةٍ حقيقية
فنخسر العلاقةَ والـحكايةَ وأبطالَها وتفاصيلاً من العمر والعشرة
ولا طاقةَ لنا على خسرانِـها.
ونـزوةٌ آثـمةٌ تبدأ بإثـمٍ وتنتـهي بـخطيئة
وتتـرك بصمتَـها على جبينِ العمر
فتسرد البصمةُ حكايةَ ضعفِنا لكلّ من يـمرّ من الأجيال بنا
وهذا النوعُ من النزواتِ لا يُنسى ولا يـموت سريعاً.
ونَـزوةٌ بشعةٌ تسلبنا من أنفسِنا الكثير
وتدخلنا في غيبوبةٍ من الوهـم
لا نستيقظ منـها إلا استيقاظَ الـموتى
فتصاحبنا بعدَها حالةٌ من الذهولِ تبقى طويلاً وعـميقاً.
ونَـزوةٌ كالصفعة نـحتاج إلى الكثيرِ من الألـمِ والـمحاولاتِ
حتى نَـتـمكنَ من مسحِ آثارِ ذُلّها من وجوهِنا
والبدءِ بوجوهٍ لـم تتذوق طعمَ صفعتِـها.
لكن,
ومـهمـا تعددَت أنواعُ النزوات
أو اختلفت بشاعةُ نـهاياتِـها
إلا أن كلَّ بداياتِـها مـمتعة
فعالـمُ النزوةِ دائـمـاً ورديُّ اللون
مُسكرٌ كالـخمرِ، دافىءٌ كالـحلـم.
فإن قررتُـم يوماً مغادرةَ نـزواتِـكـم
فلا تغسلوا قبل الرحيلِ وجوهَها
حتى لا يتضحَ لكـم قبحُها الـحقيقيّ،
لأن النزوةَ أحياناً تتحول إلى مرآةٍ تعكسُ لـمرتـكبِـها
تفاصيلَ يَودّ قذفَها في مـحرقةِ الأيامِ والنسيان
2022-09-24
إلى الأعلى