سِدرةُ البيت!
(في كلّ بـيتٍ هناك امرأةٌ مسنّة ثابتة في الأرضِ كـسِدرةٍ عريقةِ الـجذور، إذا ما سقطت السِدرةُ يوماً تفرّقت وضاعت الطيور)
رحلت الـمرأةُ التي أحبتني كعينيـها وأكثر..
والتي لـم يسعفني خـجلي أن أخبرَها أني أحبـها كعينيّ وأكـثـر،
الـمرأة التي كانت لي شجرةَ أمانٍ حين كنت طفلةً ضعيفةَ الـجناحِ والريش.
الـمرأة التي إن هطلت الأمطارُ سارعت لتغطيةِ رأسي وأوصتني بتجنبِ اللعبِ تـحت الـمطر.
الـمرأةُ التي إن هاجـمَتني الـحمى سهرت ليلها تـتلو آياتِ اللهِ على رأسي .
الـمرأة التي قلمت أظافري وهي تسرد عليّ حكايةَ علي بابا والشاطر حسن و( بديـح بديـحوه).
الـمرأة التي مشطت شعري وهي تغني لي (قاعدة على الشط قاعدة أتـمشط).
الـمرأةُ التي علمتني ألا إله إلا الله وأن أركانَ الإسلام خـمسةٌ وفروضَ الصلاةِ خـمسة.
الـمرأة التي رافقتني في وضوءِ الفجر كـي لا يسرقَني النومُ من فرضي.
الـمرأة التي غرست بـي حبَّ الوطنِ وحبَّ زايد وسردت عليّ من حكاياتِ الوطنِ ما سردت.
الـمرأة التي ما زالت رائـحةُ حقيبةِ سفرِها وهي عـائدةٌ من بـيتِ اللهِ الـحرام تـملأ أنفي.
الـمرأةُ التي كان للـدرهـمِ من يديـها فرحةُ طفولةٍ لا توازيـها فرحة.
الـمرأة التي كانت رائـحةُ بـخورِ ملابسِها تعادل لديّ رائـحةَ وطن.
فكم أتـمنى أن يسقط الـمطرُ هذا الـمساءُ بغزارة
فأنا أريد اللعبَ في حديقةِ الـمنزلِ بالـمـاءِ والرمل
وأن أقذفَ رفيقةَ طفولتي بـكراتِ الطين
وأن يـملأَ صوت جدتي أرجاءَ الـمكان
تناديني ألا ألهو في الـمـاءِ في عِز البردِ
كيف؟ وغزارةُ الـمطرِ أصبحت مرعبةً تأتي أحياناً بـمَلَك الـموت
وأرضيةُ البيتِ لـم تعد من تـراب..
ورفيقةُ طفولتي كبرت على كـراتِ الطينِ منذ زمن
وجدتي ماتت.
ماتت جدّتي يا مطر
فاسقُط وبلّل ملابسي
واهديني حُـمى الشتاءِ كـمـا تشاء،
فـجدتي يا مطرُ ماتت
جدتي ماتت
كـمـا تـموت أطهرُ الأشياء..
2022-09-24
إلى الأعلى