ترحيب

العمر الصعب !

 

(في عمرنا هناك مرحلـةٌ تسمى العمرُ الصعب، وفي العمر الصعب تـتضاعف قيـمةُ الأشياءِ والأيام واللحظات عن سعرها في العمر العادي ويصبح خسرانُـها نـكبة)

*

أنت سرقت ورقةَ التوتِ الأخيرة من شـجرة أيامي ونـحن عـلى أبواب العمر الصعب
وأبقيت الشجرةَ عـاريةً من أوراقِها وثـمـارها وطيورها،
فكيف صدقتهم أن الأشـجارَ تـموت واقفة؟ وأن عريَ الأشـجارِ من أوراقِها لا يفضحها؟
كـيف صدقتـهم أن الـحكـاياتِ لا تـحتاج للورقة الأخيـرة عند الـموت؟
فكـلُّ الأشياءِ يا سيدي عند الـموتِ تبحث عن ورقتِـها الأخيرة

ولو أنك وضعتَ ورقةَ التوت الأخيرة عند رأسي قبل رحيلِك
أو أنك عـلّقـتها عـلى بابِ الحـكـاية وأنت تـمضي
أو أنك ثـبتـها بـمسمـارِ الرحمةِ فوق جدرانِ عمري
لـمَـا استيقظتُ بـعدك عـاريةً من كـل شيءٍ إلا حزني وذاكـرتي وذهولي
أتلفت حولي ولا شيءَ يـحيط بـي إلا العمر الصعب
فلا أنا في العمر الصعبِ أنا… ولا أنت أنت.. ولا أحلامي هي أحلامي ولا أطفالي هم أطفالي..
ولا عمري هو عمري…ولا حولي بـقي كـمـا كـان هو حولي!

ونـحيبُ الأمكنةِ يـملأ الأمكنةَ وروعُ النفس الآمنة مالَـهُ أولٌ ولا آخِر

فـخسائـرُ العمر الصعبِ وهزائـمُ العمر الصعب لا تشبه خسائـرَ وهزائـمَ العمر العادي
وكـلُّ سقوطٍ في العمر الصعب ضياعٌ ..وكـلُّ انـكسارٍ في العمر الصعب نـهاية!

وأنا أغـمضت عيني عـليك سنواتٍ طويلـةً أطولَ من سنواتِ عمري
وجلست ألهو تـحت أشـجارِك بسذاجة طفلـةٍ آمنةٍ مطمئـنةٍ لك
أقطف التفاحَ الأحمرَ بشقاوة وأجـمعه في سلـةٍ واحدة دون أن ألـمحَ الذئبَ الـمختبئ خلف أغصانِ العمر !
وظننت أن للذئابِ ملامحَ واحدة وجلـداً واحداً وصوتاً واحداً !

ففي حكـايات جدتي لـم تـكن الذئـابُ تسيـر عـلى اثنيـن ولا تـرتدي الأحذيةَ ولا الـملابسَ ولا الأشـمغةَ ولا الدشاديش !

في حكـايات جدتي لـم تـكن الذئابُ تبتسم ولا تـغني أغـاني الـحب ولا تـبيع الوعودَ تلوَ الوعودَ تلو الوعود ..

في حكـايات جدتي لـم تـكن الذئاب مثـقفةً ولا تـجيد القـراءةَ ولا تـكـتب القصائدَ ولا تـرسلُ الرسائل .

في حكـايات جدتي لـم تـكن الذئابُ تـهب الآمانَ ولا تعد بالزواجِ ولا تـنـتقي أسـمـاءَ صغارِها ولا تـهدي الورودَ الـحمراءَ ولا تـتبادل الهدايا !

في حكـايات جدتي لـم تـكن الذئابُ تـهمس في الهواتف ولا تسهر عـلى الـمحادثاتِ ولا تـملأ الدفاتـرَ بالأطفـال ولا الـحكـاياتِ بالأوهام ولا القلوبَ بالأمنيات ..

خدعـتني حكـاياتُ جدتي ياسيدي..
فظننتُ أن الأخضرَ سيـبقى أخضر وأن الـجميلَ لن يتشوه وأنّ الطيبَ لن يـغدرَ وأن الوفيَّ لن يـخون وأن كـلمةَ الرجلِ كـسيفه
فنـمت عـلى وسادةِ حُسنِ الظن وحلمتُ بك كـثيـراً..
وأنـجبتُ منك الكـثيـرَ من الأحزانِ والكـثيـرَ من الأحلام والكـثيـر من الأوهامِ
والكـثيـر من الأمنيات والكـثيـر من الـمستحيلات،
لكن لا أنا غـادرتُ مساحاتِك ولا أنا مددت للنسيانِ يوماً يدي !

وها أنا ذا، أستيقظ الآن في العمر الصعب وأحشاءُ عمري مـمزقة
فأسألُك باللهِ مَن أكـل عمري؟
لأن الذئبَ لا يأكـلُ السنوات، الذئبُ لا يأكـلُ الأعمار!

وكـيف أصدقُ أن الذئبَ قد الْتـهمَ عمري؟ وأنتَ تـركـتني في العمر الصعب؟
تـركـتني وأمطارُ عمري شـحيحةٌ تـكـاد تـنفذ
تـركـتني وشـمسُ أحلامي وهنةٌ تـكـاد تغرب
والأرضُ الـخصبةُ أمست من الـحزنِ بـورٌ ..والأرضُ الـخصبةُ أمست من الـحزن بـور!

فإلى أيـن تـمضي؟
إلى أيـن تـمضي وخيالُ الـمآتَة الـذي ألبستُه ملابسَك وتـركـته خلفك كـان يوماً أنت
كـيف تـحولتَ إلى خيال مآتَة يـمنع اقترابَ طيورِ النسيان والفرح مني؟
كـيف تـحولتَ إلى خيال مآتَة؟ وماذا في هذا العمر سيحمي خيالَ الـمآتَة؟
وقد أصبحتُ بعدك حفنةً من تـرابٍ ورماد ..
لأن جرادَ الفراقِ أكـل كـلَّ الاخضرارِ بـي وحولي!

فـمن يـغسلني الآن بالـمـاءِ والبَـرَد
ويـعيدني الآن إلى الغابةِ الـخضراء؟
من يعيدني إلى الغابةِ الـخضراء
والأحلامِ الـخضراءِ والأمنياتِ الـخضراءِ والعمر الأخـضر؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
dimahna