ترحيب

عاطفة النضج ٢

(عـاطفةُ النضج غـاليةٌ كـذاكـرة الكبـر وصـحةِ الكـبـرِ وحواس الكبـر وأبـناءِ الكبـرِ)

*

موجعةٌ أنـصافُـنا الـحقيقيةُ كـثيراً حين تـصلنا متأخرة
ومـحاولـةُ إلصاقِـهـا بـنا تؤلـمنا كـثيراً !
بعد أن تـكونَ أجسادُنا قد اعـتادت عـلى أنـصافٍ لا تـمتّ لنا بصلـة
فليس من السهلِ نسفُ تـضاريـسِ العمرِ حين يصل الإنسانُ إلى منتصفه !
وليست دائـمـاً الـبـدايـاتُ جـميلـة !

وليست دائـمـاً البدايـاتُ ملونة !

ولا دائـمـاً البدايـاتُ آمنة !
فبدايـاتُ النضجِ يا سيدي مرعبةٌ جداً !

ففي النضجِ لا مـجالَ للتجربة
ولا مـجالَ لـتكرارِ الـخطأ

ولا مـجالَ للـتعلـمِ من الـخطأ

ولا مـجالَ للاعـتذارِ عـن الـخطأ
لأن السقوطَ والكسرَ في النضجِ  باتساعِ الـهـاويةِ مـخيفٌ جداً !

وامرأةٌ  في نـضجـي تـملك قدرةَ الـتـمـيـيـزِ بـيـن الأنـصافِ الـمزيفةِ والأنـصافِ الـحقيقية
امرأةٌ في نـضجي يا سيدي لديـها قدرةٌ عـلى سـمـاعِ دقاتِ قلبِ رجلٍ يـحبـها بـوضوح
امرأةٌ في نـضجي لا يـمرّها ارتـباكُ رجلٍ يـحـبـها وتلعثـمُ لسانِه وشرودُ عينيهِ مرورَ الكرام !
فامرأةٌ في نـضجي يا سيدي حين تـحب تـختصر الـحياةَ كـلهـا في رجلٍ واحد
وحين تـخسره تـخسرُ الـحياةَ كـلَّها إن لـم يـكن معه فـمن أجلِـه
فسنواتُ النضجِ يا سيدي لا تـؤمن بـمبدأ التـبديلِ والتغـيـيـرِ والبقاء للأقرب.
و(الغائبُ عن العيـنِ غـائبٌ عن القلب )

فالـحبُ الـنـاضـجُ يـبدأ بصمت
لكنه حين يـنـتـهي لا يـنـتـهي بصمتٍ أبداً !
لأن صوتَ انكسارِه في القلب يعادل صوتَ انكسارِ جبلٍ شامخٍ وهزةٍ أرضـيةٍ صامدة !

ويـخـذلـنا الـحبُ كـثيراً

حين يتخلى عـنا في منـتصفِ الطريق

أو في مـنـتصفِ الـموج
أو تـحت الريـحِ أو قبل الـمرحلـةِ الـنـهائـيةِ بـقلـيل
إنـها الـمرحلـةُ الـمُرّة من العمر..

حيث لا عـودةَ للوراءِ ولا قدرةَ عـلى تـقبلِ قادمٍ جـديـد !
فإن كـانـت سفـيـنةُ عمرِك لا تـتسع لإنـقـاذِ حبٍ نـاضـج

فلا تلقِ بطوق النجاةِ إلـيّ
ولا تـعرّض شـموخَ الـجبلِ للانـحـناء

ولا هدوءَ الأرض للزلزال
ودعـنـي أتعلقُ بـأقربِ قشةٍ لي …

 

ففي زمنِ الطوفـانِ لا نـنـتـقي أطواقَ النجـاة
لأن كـلَّ القشاتِ في زمنِ الطوفـانِ منقِذة

لأنـها تـجيد السباحةَ إلى شاطئٍ ما

حتـى وإن كـان الشاطئُ الـمحطةَ الـخطأ

فعند الغـرقِ لا نـفكر بالشاطئ بـمقدارِ ما نـفكر بـالـحياة،
فلا تـجعل السمـاءَ تـمطر حـجـارةً عـلى رأسي باسـمِ الـحب
ولا تـطبق زوايـا الكونِ عـلى جسدي باسـمِ الـحب
ولا تـزلزل الأرضَ تـحت قـدمـيَّ باسـمِ الـحب
ولا تطهو أحلامي فـي قدرِك عـلى نـارٍ هادئة باسـمِ الـحب ..

فـعـاطفةُ النضجِ يا سيدي تلتصق بالاحـتـرام أكثـرَ من الـتصاقِـهـا بالـحب

فاحتـرم وقاري ..وجنـبـني ثـورةَ الـمراهقين..وغـيـرةَ الـمراهقين وطيشَ الـمراهقين
احتـرم نضجي ..وجنبني عـرْيَ الأعـذارِ الواهنةِ والـحججِ الـمكشوفة والصدفِ الـمفتعلـة !

احتـرم أخلاقي… وجنبني آثـامَ الـحبِ وسقوطَ الـحبِ وخطايـا الـحب !

احتـرم تـربـيتي …ولا تشجعني عـلى الكـذبِ باسـمِ الـحب والـتـحـايـلِ بـاسـمِ الـحب
والتـبـرجِ بـاسـمِ الـحب والضـياعِ بـاسـمِ الـحب !

أعـدني إلـيَّ

فدورُ العاشقةِ لا يـناسبـني..

ودورُ الافـتـقـادِ لا يـناسبـني ودورُ الغيـرةِ لا يـناسبـني
فـمنذ أن كـفرت بالـحبِ وأنا أحاول أن أكـونَ بـيـن الرجالِ رجلاً
أعـاملهم بـرجولـةٍ وأحاورهـم بـرجولـة..وأنـاقشهم بـرجولـةٍ وأزاحـمُهم بـرجولـة
فـغيابُ الـحبِ يسلب من أنوثةِ الـمرأة الكـثيـر ويـجرد النساءَ من الكـثيـرِ الكـثـير
وحين لا يـكون هناك حب
لا يكون هناك أشـيـاءُ كـثيـرة !

فـالـحبُ يا سيدي
هو القدَرُ الـذي لا يـختبئ في صناديقِ الـحظ والـيـانـصيب
والكـنـزُ الـذي لا نـعثـر عـليه في نـهايةِ لعبةِ بـحثٍ عن شيءٍ مفقود
لهذا لم أدخل رأسي تـحت قطعةِ القـمـاشِ يـوماً

ولـم أبـحث عـنك في صندوقِ الـدنـيـا
فصناديقُ الـدنـيـا قد تـحتوي كـلَّ الدنيـا
لكـنّـها لا تـحتوي أحلامي !
فأحلامي الصغيرة بـرغـمِ بساطتِـها لا تـتحقق
ربـما لأن قطعَ غيارِها غـيـرُ متوفرة في زمنٍ كـهذا الزمن …

 

وعـاطفتُك ياسيدي مرعبة
مرعبةٌ لأنـها عـاطفةُ النضج
الـمفتـرقُ الـخطيرُ بـيـن قـمةِ الأشياءِ وقـاعـهـا
رغبةُ الـجنوحِ ورغبةُ التـهور ورغبةُ الطيران
لإثباتِ شيءٍ ما
للـتـمسك بشيءٍ ما
إنـها الطوفانُ الـذي يـعتـرضنا حين نـهمّ بـالـدخولِ إلى الـجزءِ الـثـاني من العمر ..

 

فعـاطفةُ النضجِ هي الـجـزءُ الأخطرُ من الأحلام

والأخطرُ من العواطفِ والأخطرُ من العواقب
الـجزءُ الأوهنُ من الصحة..

والأوهنُ في الـجريِ خلف عـاطفةٍ نـبـيـلـة

والأوهنُ في مطاردة حلـمٍ جـميل..
والـجزءُ الأضعفُ في مواجـهةِ الانكسار…والفشلِ والسقوط

وقدرة الوقوفِ من جديد !

عـاطفةُ النضج يا سيدي
هي لـحظةُ الغرقِ التـي تـجبرنا عـلى التخفيفِ من سفـيـنةِ العمرِ
فنلقي في الـموج الكـثيـرَ من الأحلامِ والكـثيـرَ من الـتـفـاصيل

والكـثيـرَ من الأطفـالِ والكـثيـرَ من الأمنيات
التي خبـأنـاها للغد كـكسرةِ الـخبـز الأخيرة
إنـها العمرُ الدافئُ الـذي نـطرق أبوابَـه

حيـن يـتسلل إرهاقُ الـخذلانِ إلى قلوبـنا
إنـها سفينةُ الأمانِ التي إن غـرقت فلا طوقَ نـجاةٍ ولا قشةَ غـريـقٍ بعدها تـنـقـذنـا !

إنـها الـحبُ الربـيعي في حكـايـةٍ خريـفية

وبـقايـا الـخريفِ مؤلـمةٌ جداً

كـطـبـقةِ الـجلـدِ الأخيرة

قبل الـخروجِ من الـجلـد !

فـمـاذا سـتـهديـني من الألـم؟
وفي أيّ جيبٍ من جيوبِ عـمري ستخبـئ لـيَ الأحزان؟

فهدايـا الـحبِ ليست دائـمـاً جـميلـة
صدقني هدايـا الـحبِ ليست دائـمـاً جـميلـة
فبعضُ الهدايـا يـبدأ نـموُها بعد توقفِ نـموِ الـحكـاية
فتـتحولُ إلى لعنة
إلى كـومةٍ من أطلال..
تـعـيق طريـقَنا نحو الهدوءِ والنسيـان.

ماذا ستهديني في هذا العمر؟

هل ستكـتـبُ بـي قصائدَ الشعر؟
ما عـاد الشعرُ يـغريـني!
بـعد أن أيـقنت أن أغـلبَ الشعراءِ يـعددون النساءَ كـمـا يـعددون القصائدَ
بعد أن تـأكـدت أن الـمشاعرَ في القصائدِ أصدقُ من حقائـقِـها
وأن الأحلامَ في القصائدِ أجـملُ من واقـعِها
وأن الشعراءَ لا يشبهون قصائدَهـم

فبعضُ القصائدِ كـبناتِ الـخطيـئة نُسبْـنَ إلى غيرِ آبائِـهن !

فهل سـتـقف في شارعٍ شديـدِ الظلمة

في مـحطةٍ عـاريةِ السقف

في ليلـةٍ  شتائـيةٍ مـمطرة

لـتـهديـني أغـنيةَ حبٍ عـبـرَ هاتـفٍ مـجهول؟

فعشاقُ الزمنِ الـجمـيلِ عند الـحنيـنِ يـتحولون إلى تـمـاثـيلَ من ثـلج

يستـتـرون عـند تـبادلِ الرسائل

ويستـتـرون عـند البكـاءِ عـلى الـجدران
ويستتـرون عـند الـمرورِ عـلى الأطلال

لهذا هـم يـثـيـرون دهشةَ عشاقِ زمنٍ

يـجاهرُ عـشاقُه بـكـلّ تـفـاصيل حكـايـاتِـهم

يـجاهرون عـند الـحُب
ويـجاهرون عـند الأشواق
ويـجاهرون عند الـخيانـة
ويـجاهرون عـند الفراق.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
dimahna