ترحيب

عاطفة النضج

احتـرمْ شـموخـي وجنّبنـي ذلَّ الـمرور عـلى الأبواب بـغير حاجة)

****

 

هناك فرقٌ شاسِع
بين نـضجِ العاطفة وعـاطفةِ النضج
فعاطفةُ النضجِ هـي شربةُ الـمـاءِ الأخيرة في صـحراءِ الأيـام
هي كسرةُ الـخبز الأخيرة عـلى طريـقِ العمر!

 

وأنتَ عـاطفةُ النضج
شربةُ الـمـاءِ الأخيرة
كسرةُ الـخبز
فاجأتـني في مرحلـةٍ موحشة من العمر
كـرصاصةٍ طائشة أصابـتـني وأنـا نـائـمة
جاءَتـني بـغـتة
وداهـمَـتني عـلى غفلـةٍ مني
فأرعبَتني رعبَ النائـمِ الـمغدور.

 

أرعبَتني جداً
لأنك أعـدتـني إلى السطرِ الأول من الكـتـابِ الأول

من العمر الأوّل من الـمرحلـةِ الأولى
لأنك أعـدتـني إلى النبضِ الأول في الـحلـمِ الأول
في التجربةِ الأولى في الـحكـايةِ الأولى..

لأنك سحبتني من الـخلف عكسَ اتـجاه الزمن
وقددْتَ قـميصي من دُبـرٍ.

وأدخلتـني الـمدرسةَ الثانوية للبنات
أقعدتـني عـلى الـمقعدِ الـخشبيّ بالزيّ الـمدرسـيّ
وخلف ظهري حـقـيـبةُ الكـتب
وأمامـي السبورةُ السوداء
وبـجانـبـي رفيقةُ مراهقتي تسكب في أذنـي
وأسكب في أذنـيـها لـذيذَ الأسرار !

 

أرعبتني…

لأنك عـبثت بـمراحلِ عمري
وتصفحت مراحلـي بفضول
فأعـدتـني إلى الـمرحلـةِ الـجامعيّة..

 إلى قلقِ البداية
إلى اليومِ الـدراسيّ الأول
إلى الـمكـتوبِ الأصفر الـذي كـتب عـليه: (طـالبٌ مستجد)
إلى رهبةِ الـمدرجات ودفءِ الـمدرجات..وذكرياتِ الـمدرجاتِ وحنين الـمدرجات!

 

أرعبتني..

لأنك فتحت نـوافذَ القلق بـي عـلى مصراعـيـهـا
لأنك جردتـني من بـرودة عواطفي وبـرودةِ أحلامـي
وبـرودة غضبي وبـرودة أعصابـي

و عبثت بفصولِ مشاعري
فـجئتني بالشتـاءِ قبل الشتـاء
وبالصيفِ قبل الصيف

وبالربـيعِ قبل الربيع

وبالـخريفِ قبل الـخريف !

 

أرعبتني!

لأنك نسفتَ ذائـقَتي في الرجال
فـمـا عـادت وسامةُ الرجلِ تـعـنـيـني
ولا تـحضّرُه هاجسي الوحيـد
ولا قـصرُ قـامتِه أعظمُ مصائـبي

ولا قلـةُ ثـقـافـتِه أكبرُ هـمي !

 

أرعبتني..

لأنك جـئـتني بالأنثى التي أطلقتُ سراحَـها مني..وفررتُ سنواتٍ مـنـهـا
وهزمتَ بـي الرجلَ الـذي صنـعـتُه في داخلـي من تـمرِ أحزاني

وعشتُ متـنكرةً به ..

فأعـدتـني إلى قـافـلـةِ النساء

وسربِ النساء وشؤونِ النساء
وأحاديـثِ النساء وأسرارِ النساءِ وسـخافاتِ النساء !

 

أرعبتني ..

لأنكَ عرضتني لإرهاقِ تـكرارِ التجـارب
فكررت في عمري تـجربةَ البلوغ
وتـجربةَ الـمراهقةِ وتـجربةَ الأشواق وتـجربةَ الافـتـقـاد
وتـجربةَ الاحتراق.

 

أرعبتني..

لأنك أيـقظت بـي خبثَ الأنثى وكـيدَ الأنـثى
لأنك جعلـتني أخطط كـيف أراك..
وكـيف أختـرعُ الأسبابَ كـي أمرّ عـلى بابـك
وكـيف أتـخلص من فردةِ حذائـي حين تـكون أنت خلفي

 

 

أرعبـتَـني جداً..
لأنك جعلـتَـني أعيد اكـتشافَ وجودي
وأطيل النظرَ إلى يـدي

وأطيل النظرَ إلى أنـاملـي
وأطيل النظرَ إلى عيـني
وأرى من تـفـاصيل جسدي
وهالاتِ إرهاقـي وخطوطِ وجـهي ما لـم أكـن أرى.

 

أرعبتني..

لأنك جددت عـلاقتي بالـمرآة
وجددتَ عـلاقـتي باهتـمـاماتِ النساء
وأحذيةِ النساءِ وفساتينِ النساء
و حقائبِ النساءِ وأسواقِ النساء !

لأنك جعلـتني أراقبُ تـفاصيلَ الهاتـف
ورنينَ الهاتـفِ ومـكـالـمـاتِ الهاتـف
وإضاءاتِ الواردِ واهتـزازاتِ الصادر !

 

أرعبتني…

لأنك جعلـتَني أتـدرب عـلى الـجرأة
وعـلى القسوةِ وعـلى الـحدّةِ وعـلى الشدة
كـي أستـرَ أمامَك  مشاعري
و أبـدو في حضورِك الأصلبَ والأقوى !

 

لأنكَ أعـدتَـني إلى عـادةِ السهرِ وعـادةِ القلق
وعـادةِ القـهوة وعـادةِ التفكيرِ وعـادةِ التـفسير
وعـادةِ استـرجـاعِ الـمواقف
وعـادةِ قضمِ الأظافر وشرودِ الذهنِ

 

لأنك زرعـتَـني عـلى مـحطاتِ الليل
ومـحطاتِ السهرِ ومـحطاتِ التعب

وصلبتَني عـلى عـتباتِ الانـتظار
والاحتـضارِ والشتـاءِ والبـرد ..

أرعبتني..

لأنك أعـدتَني إلى فيروز وعبدِ الـحليـم وأمِّ كُـلثوم
وأصواتِ عشقٍ دافئة هـجرتُـها ذاتَ وَهن
خشيةَ أن توقظَ عـميقَ الـجروحِ بـي

لأنك ذكـرتـني بـفرسان الزمنِ الـجميل
بـالهـتـافاتِ العربـيّةِ القومية
بالـدمِ الواحدِ والـمصيرِ الواحد
بالأرضِ التي كـانـت تـتحدث العربـية

 

أرعبتني..

لأنك عـلمتَـني الـتـمـثيلَ والتـزيـيف والتـزويـر
فـمثّلتُ  كـراهيتَك  ومثّلتُ تـجاهلَك
ومثّلت رفضَك ومثّلت النفورَ منك
وأخفيتُ عنك ارتباكي وتلعثمي
وبـرودة أطرافي وارتـعاش روحي ..

 

لأنك أعـدتَـني إلى تـفاصيلـي الصغيرة
إلى مشطِ الصندلِ الـخشبيّ
إلى عروستي  التي لـم تـكبر معي
إلى شرائطِ شعري الـملونـة
إلى قلـمِ الكحل..

إلى عـلبةِ التجميل إلى زجاجةِ العطر

 

أرعبتني ..

لأنك نـبهـتَـني للنصفِ الفـارغِ من السريـر
وللوسادةِ الـخاليةِ في النصفِ الفارغ
وللجانبِ الـمخيفِ من الشتـاءِ
وللساعـاتِ الـمخيفةِ من الليل وللمراحلِ الـمرعبةِ من العمر ..

 

أرعبتَـني جداً
لأنك نـبهـتـني أن الـذاكـرةَ مرحلـةٌ
وأن الشبابَ مرحلـة

وأن الـجـمـالَ مرحلـةٌ وأن النَضارةَ مرحلـة
وأنَّ الصِحةَ مرحلـة
وأن الأنوثـةَ مرحلـةٌ وأن الربـيعَ مرحلـة !

 

أرعبتني ..

لأنك دفعـتَـني إلى الشعورِ أن العمرَ فرصة
وأنّ الفرحَ فرصةٌ وأن الأمانَ فرصة
وأنّ القطـارَ فرصة
وأن الأمومةَ في منتصفِ العمر فرصة

لأنك جعلـتـني أفكر في عـكـازاتِ العجز
وسنواتِ الانـحناءِ وخطواتِ الوَهن
ووحشةِ الـخريـفِ وانـتـكـاسِ الـخلق وأرذل العمر

 

لأنك أربـكـتَني بَعد السنين ومراقبةِ الأيـام
وتـقصّي الشعيراتِ البيضاء وانـكـمـاشِ الـجلـدِ
والانـتـكـاساتِ والإحباطات والهزائـم ..

 

لأنك قلّصت الـمساحـاتِ بـي
فأصبحت مساحةُ الـجرأةِ أصغر
ومساحةُ الـمواجـهةِ أصغرَ ومساحةُ الأمان أصغر
ومساحةُ القوةِ أصغرَ ومساحةُ الهدوءِ أصغر

 

أرعبتني !

لأنكَ ضفرت شعري وخلعت حذائـي
وأطلقـتَني حافيةَ القدمين في طرقـاتِ طفولتي
وأعـدتَـني إلى الـحيّ القديـم
إلى أزقـةٍ كبـرتُ بـها ومـمراتٍ دفـنـت شقـاوتـي بين زوايـاها
فدخلت الـمنازلَ الـمهجورة
وبـحثت عن جدي وجدتـي
وعن الـمسنّ صـاحب الـذقنِ البيضاء
وبـكيت عـلى أطـلالِ زمن بقيت منه الـجدرانُ والأوراق والرسوم والصور.


أرعـبتَـني..
لأنك جـئـتَني بالإحساس الصحيحِ في التوقيتِ الـخطأ

والـمكـانِ الـخطأ والعمرِ الـخطأ ..
لأنك جـئـتَـني بعد أن وَهنت صـحةُ الأحلام بـي

وأصبحت السفينةُ في آخِر البحر..


أتدرك ماذا يـعني أن توهنَ صـحةُ الأحلام بـنا؟
أتدرك أيُّ ألـمٍ يـخلفه موتُ الأمانـي بـنا؟
أتدرك أيُّ سـخريةٍ يـزرعها وصولُ السفنِ الـمتأخرة بـنا

 

أرعـبـتَـني ..!

فـهنا كـان بـحرٌ، وهنا كـانت سفينة، وهنا كـانت أمانـي،

وهنا كـانت أنـثى ..أنـثى في حـالـةِ انتظارٍ وتـرقّب
أنثى انـتظرت السفينةَ حتى جفَّ البحرُ ولـم تـغادر الـمرسى
كـانت قدماها مقيدةً بـرمال الشواطئ…
وكـانـت عند كـلّ غروبٍ تـقبّل البحرَ قبلـةَ الـحياة
كـانت تـمنحه أنـفاسَها عـلَّـه يـعود للحياةِ يوماً
فـحكـايـاتُ الـجدة عـلمـتها ذاتَ طفولـةٍ أن البحرَ لا يـموت أبداً

 

فأنثى البحرِ هذه يا سيدي كـانت أنا
وأنا كنت مـختلفةً بـيـنـهم حدَّ الغربةِ والغرابـة
فلـم أشعر يـوماً أن هذا الزمانَ زمانـي
كـنت في حالـةِ غربـةٍ دائـمة

ولـم يـكن لـمساحاتِ الوحشةِ في داخلـي حدود
كـنت أشعر أنـي بـقـايـا زمنٍ ما

زمن رحلت السفينةُ بـأهلـه أجـمعين
وبـقيت وحدي .

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
dimahna