هناك فرقٌ شاسِع
بين نـضجِ العاطفة وعـاطفةِ النضج
فعاطفةُ النضجِ هـي شربةُ الـمـاءِ الأخيرة في صـحراءِ الأيـام
هي كسرةُ الـخبز الأخيرة عـلى طريـقِ العمر!
وأنتَ عـاطفةُ النضج
شربةُ الـمـاءِ الأخيرة
كسرةُ الـخبز
فاجأتـني في مرحلـةٍ موحشة من العمر
كـرصاصةٍ طائشة أصابـتـني وأنـا نـائـمة
جاءَتـني بـغـتة
وداهـمَـتني عـلى غفلـةٍ مني
فأرعبَتني رعبَ النائـمِ الـمغدور.
أرعبَتني جداً
لأنك أعـدتـني إلى السطرِ الأول من الكـتـابِ الأول
من العمر الأوّل من الـمرحلـةِ الأولى
لأنك أعـدتـني إلى النبضِ الأول في الـحلـمِ الأول
في التجربةِ الأولى في الـحكـايةِ الأولى..
لأنك سحبتني من الـخلف عكسَ اتـجاه الزمن
وقددْتَ قـميصي من دُبـرٍ.
وأدخلتـني الـمدرسةَ الثانوية للبنات
أقعدتـني عـلى الـمقعدِ الـخشبيّ بالزيّ الـمدرسـيّ
وخلف ظهري حـقـيـبةُ الكـتب
وأمامـي السبورةُ السوداء
وبـجانـبـي رفيقةُ مراهقتي تسكب في أذنـي
وأسكب في أذنـيـها لـذيذَ الأسرار !
إلى قلقِ البداية
إلى اليومِ الـدراسيّ الأول
إلى الـمكـتوبِ الأصفر الـذي كـتب عـليه: (طـالبٌ مستجد)
إلى رهبةِ الـمدرجات ودفءِ الـمدرجات..وذكرياتِ الـمدرجاتِ وحنين الـمدرجات!
لأنك أعـدتَـني إلى تـفاصيلـي الصغيرة
إلى مشطِ الصندلِ الـخشبيّ
إلى عروستي التي لـم تـكبر معي
إلى شرائطِ شعري الـملونـة
إلى قلـمِ الكحل..
إلى عـلبةِ التجميل إلى زجاجةِ العطر
أرعبتني ..
لأنك نـبهـتَـني للنصفِ الفـارغِ من السريـر
وللوسادةِ الـخاليةِ في النصفِ الفارغ
وللجانبِ الـمخيفِ من الشتـاءِ
وللساعـاتِ الـمخيفةِ من الليل وللمراحلِ الـمرعبةِ من العمر ..
أرعبتَـني جداً
لأنك نـبهـتـني أن الـذاكـرةَ مرحلـةٌ
وأن الشبابَ مرحلـة
وأن الـجـمـالَ مرحلـةٌ وأن النَضارةَ مرحلـة
وأنَّ الصِحةَ مرحلـة
وأن الأنوثـةَ مرحلـةٌ وأن الربـيعَ مرحلـة !
أرعبتني ..
لأنك دفعـتَـني إلى الشعورِ أن العمرَ فرصة
وأنّ الفرحَ فرصةٌ وأن الأمانَ فرصة
وأنّ القطـارَ فرصة
وأن الأمومةَ في منتصفِ العمر فرصة
لأنك جعلـتـني أفكر في عـكـازاتِ العجز
وسنواتِ الانـحناءِ وخطواتِ الوَهن
ووحشةِ الـخريـفِ وانـتـكـاسِ الـخلق وأرذل العمر
وهنا كـانت أنـثى ..أنـثى في حـالـةِ انتظارٍ وتـرقّب
أنثى انـتظرت السفينةَ حتى جفَّ البحرُ ولـم تـغادر الـمرسى
كـانت قدماها مقيدةً بـرمال الشواطئ…
وكـانـت عند كـلّ غروبٍ تـقبّل البحرَ قبلـةَ الـحياة
كـانت تـمنحه أنـفاسَها عـلَّـه يـعود للحياةِ يوماً
فـحكـايـاتُ الـجدة عـلمـتها ذاتَ طفولـةٍ أن البحرَ لا يـموت أبداً
فأنثى البحرِ هذه يا سيدي كـانت أنا
وأنا كنت مـختلفةً بـيـنـهم حدَّ الغربةِ والغرابـة
فلـم أشعر يـوماً أن هذا الزمانَ زمانـي
كـنت في حالـةِ غربـةٍ دائـمة
ولـم يـكن لـمساحاتِ الوحشةِ في داخلـي حدود
كـنت أشعر أنـي بـقـايـا زمنٍ ما