ورق!
(أسير بعدك في زحامِـهم مكتوفةَ الأيدي كـي لا يلمحوا حـجمَ الكسر في جناحي)
فالرجلُ الذي سأودّعـه هذه الـمرة خارجَ الورق
والدموعُ التي سأبـكيـها خلفه خارج الورق
والـيـمينُ التي ستـرتـفـعُ له مودعـةً خارج الورق
والوسادةُ التي سأبللها بدموعي خارج الورق
والضلعُ الذي سينكسر بـي خارجَ الورق
وأمـّي التي سأفرّ من إحساس قلبها بـحزني خارجَ الورق
ورفـاقـي الـذيـن سأستر عن أعينهم آثـارَ البكـاء والسهر خارج الورق
وعـذاباتُ الورق تـختلف لأنها تـنـتهي على الورق
فالنحتُ عـلـى الورق يـختلف كثيراً عن النحتِ على الـجسد
وأنتَ كنت نـحتـاً عـلى الـجسد
أنتَ وشـمٌ سأحتاج الكثيرَ من الوقت لإزالةِ أثره
وسأحتاج للكثير من الأغطيةِ والـملابس والأقنعةِ لإخفائه عنهم
وسأحتاجُ للكثير من الوقت كـي أعودَ إلى قالبي القديـم !
قالـبي الذي كنتُ فيه امرأةً حديدية
فكلُّ الأجزاء الـمـاضية كـتـبـتُها وأنا في حالـةِ صـحوٍ ونشاطٍ شديد
إلاّ هذا الـجزءَ، أكـتبه وأنا في حالـة وَهنٍ وبردٍ شديد
بردٌ يدفعني للتدثّر بأغطيةٍ كثيرة
لكنّ البردَ كـلّـمـا تدثّرت منه ازدادَ
فبردُ الفراقِ لا يعترف بدفءِ الأغطيةِ وثـقلها
للفراقِ برودةٌ تستعمر الأطراف
لهذا نـحن نرتعشُ عند الفراقِ كثيراً وكثيراً وكثيراً !
ورعشةُ الفراقِ كـرعشةِ الـحظ
إما أن تكونَ انتفاضةً لبدايـةٍ جديدة
فتـفتـح لنا أبوابَ البداياتِ لننتـقي منها الأنسب
أو تغلقُ عـلينا ما لا عددَ له من سـجون النهايات !
فبعضُ النهاياتِ كالـمعـتقلات السياسية
تـنكّـلُ بـنـا وتـذيقنا من العذابِ أبشعه !
وأشعرُ الآن أنّي معلّقةٌ من رأسـي في سقف غـرفةِ سياسية التعذيب
وهذا الـحزنُ يـختلف عن أحزاني السابقة
فأحزاني السابقةُ كـانت تدفعني للبحثِ عن صديقٍ أفرّغُ في قلبه هـمي
وهذا الحزنُ يدفعني للبحث عن مكانٍ لا يصلني به بشر
لهذا أنا أوّثقُ النهايةَ الآن من هذه البقعة الـموحشة
مكانٌ قديـم
بـيـتٌ مـهجور
مات أصـحابُه وزهد ورثـتُه بأطلالِ أرضه وبقايا جدرانِه
ويـخيّل للجـالس به أن أنيـنَ أحدِهـم يصدر من هذا الـمكـان
ربما هي أرواحٌ عـاشت هنا يوماً
واتـخذَت من الـمنزل القديـمِ وطناً لها يصعب عليها فراقُه
فبعضُ الأماكـن كـالأوطان
تـغـتـربُ الأرواحُ كثيراً حين تـرحل عنها
وبعضُ الأرواحِ كالطيور لا تستطيعُ التحـليقَ والـمغادرة بشكلٍ مفاجئ
وهكـذا كنتُ أشعر معك
كان يـخيّلُ إلـيّ حين أراك أني أسـمع صوتَ رفرفةِ أجنحةٍ ما عـلى ظهري !
معك وحدَك تلهفتُ على متـابعة نـمو الأجنحةِ عـلى ظهري
معك وحدَك تـمنيتُ أن أتـحولَ إلى عصفورة
ربـمـا هي رغبةٌ دفينة لـملازمتِك
فالعصافيرُ لا تـحتاجُ لـتبرير تواجدها أمام بابٍ ما أو نافذةٍ ما
العصافيرُ ليست مضطرةً لـتـغيير وجـهةِ طيرانها خوفاً أن يـفتضحَ أمرُ قلبِها
العصافيرُ لا تـقيدها كـرامةٌ ولا يـمنعها عن وجـهتها تـخيّل ظنونٍ سوداء
العصافيرُ تـنتـقي الطرقاتِ وتـنتـقي الأشـجارَ وتـنتـقي النوافذَ وتـنتـقي الـحيطان !
كـم أعشقُ البيوتَ العتيقةَ يا سيدي
وكلـمـا تسلّلت إلى بـيتٍ عـتيقٍ تساءلت
لـمـاذا ليس للجدران القديـمةِ أبواباً؟
أبوابٌ سرية ندخل منها للزمنِ القديـمِ
فكـم أودّ الآن الفرارَ إلى زمنٍ قديـمٍ
زمنٌ تـختلف خارطتُه عن خارطة زمننا كثيراً
أفـتـح عيني الآن بلا ضـجـيـجٍ وبلا رنين
فلـم يعبث أحد بـمنبه أمني
لأني استيقظتُ بلا رنين
فلطـالـمـا أقلقَني في حكايتِك الرنين
لهذا فـمنذ أن أحببتكَ وأنا أحرص عـلى عـدم ضبطِ الـمنبه
خشيةَ أن أكونَ معك في حلـمٍ ويسرقك الرنينُ مني
كنتُ في حالة ترقبٍ مرعب لطلقةٍ أو لصرخة أو لصوتِ انكسارٍ ما أو لنداءٍ مباغت
لأي شيءٍ له قدرةٌ عـلى إيقاظي منكَ بشكلٍ مفاجئ
ومع هذا استيقظتُ بلا مقدماتٍ وغـادرت بلا مقدمات
تـمـاماً كـمـا أحببتُك يوماً بلا مقدمات
فكلُّ شيءٍ معك كـان مباغتة بلا مقدمات
كـان للبَغتة دورُ البطولة في حكـايتِك
و البَغتةُ تـرعبُ كثيراً
لأنها لا تـمنحنا حقنا الإنساني في الاستعدادِ
لاستيعابِ ما نـحتاج للكثير مِن الوقتِ لاستيعابهِ وقبولِه
لهذا فاجأني ظهورُ بابِ الـخروج من حكـايـتِك في هذا الوقت أمامي !
فـغادرتُ وأنا أضعُ يـميني على قلبي
ويساري تـحاول التحكمَ في مقود السيارة
وتـحجبُ دموعي عني الكثيرَ من الرؤيا
ليست الـمرةُ الأولى التي يـحترق بها هذا القلبُ وينـزوي كـاليتيـمِ الـمكسور بـين أضلعي !
وليست الـمرةُ الأولى التي تلوح بها هذه اليـمينُ عـلى مـحطاتِ الوداع مودعـةً قطعةً من الروح
وليست الـمرةُ الأولى التي أتـجول بها في طرقاتِ الـمدينة وغزيرُ الدموعِ يـحجب الرؤيةَ عني
ليست الـمرةُ الأولى التي أقـف بها على البحر وفي قلبي صرخةُ حزنٍ لا يسمعها سواي
ليست الـمرةُ الأولى التي أحاول أن أرفرفَ بها عـالياً باتجاهِ قامةِ أحلامي ويـخذلني وَهنُ أجنحتي !
وليست الـمرةُ الأولى التي أعود بها إلى منزلي مكتوفةَ الأيدي
كـي لا تلمحَ والدتـي حجمَ الكسر في جناحي !
ليست الـمرةُ الأولى التي أتسللُ بها إلى غرفتي وأغـلق البابَ بالقفل مرتين متـتاليتـين
وكـأن مرةً واحدة لا تـشعرني بالأمان كـي أمارسَ حزناً وبكاءً سرّياً !
ليست الـمرةُ الأولى التي أضع بها رأسي على ركـبتيّ وأطوّقه بـيديّ
وأنـتحب كأسيرةٍ حرة تـمّ أسرها بعد أن ضاع الوطنُ والأخ والولد ..
لكن الفرقَ هذه الـمرة أن كلَّ هذه الطقوس ستكون خارجَ الورق
فللمرة الأولى سأقف عـلى مـحطاتِ الوداع خارجَ الورق
للمرة الأولى سأخرج من بابِ حكـايةٍ خارجَ الورق
للمرة الأولى سأفارق بطلَ الـحكـايةِ خارجَ الورق
2022-09-24
إلى الأعلى