أنواع السقوط
(بعضُ أنواع السقوطِ لا تعادلُه مرارة سوى مرارة الـموت)
البعضُ يسقط من العين
والبعضُ يسقط من القلب
والبعضُ يسقط من الذاكـرة.
والذي يسقط من العين
يسقطُ بعد مراحل من الصدمةِ، والدهشةِ، والاستنكارِ،
ومـحاولاتٍ فاشلة لتبريـر اختيارِه هذا النوع من السقوط.
أما سقوطُ القلب
فإنه يلي مراحلَ من الـحب والـحلـمِ الـجميل
والإحساسِ بالضياعِ والندم..ومـحاولاتٍ فاشلةٍ لإحياءِ مشاعرَ ماتت.
أما سقوطُ الذاكـرة
فإنه يـبدأ بعد مراحلَ من التذكـرِ والـحنين, وبعد معاركَ مريـرةٍ مع النسيان
ناتـجةٍ عن الرغبة في التـمسكِ بأطيافِ أحداثٍ انتـهت،
وغـالباً يـكون سقوطِ الذاكـرةِ هو آخِرُ مراحلِ السقوط..وهو أرحـمُ أنواعِ السقوط.
وليس بالضرورةِ أن الذي يسقط من عينيك يسقط من قلبِك
أو أن الذي يسقط من قلبِك يسقط من ذاكـرتِك
فلكلّ سقوطٍ أسبابُه التي قد لا تـتأثـر..أو تؤثـر في النوعِ الآخَر من السقوط.
فالبعضُ يسقط من قلبِك,
لكنه يظل مـحتفظاً بـمساحاتِه النقيةِ في عينيك
فيتحولُ إحساسُك الـمتضخم بـحبه إلى إحساسٍ متضخم باحترامِه
فتعاملُه بتقديـرٍ امتـناناً لقدرتِه في الاحتفاظ بصورتِه الـملونةِ في عينيك
بـرغـم مسحِ الصورةِ في قلبِك.
وهذا النوعُ من البشر يـجعلُك تـردّد بـينك وبـيـن نفسِك كلـمـا تذكرتُه: شـكـــراً.
أما الـمعاناةُ الكبـرى فهي حين يسقط من عينيك إنسانٌ مــا
لكنه لا يسقط من قلبِك ..ويظل معلقاً بـيـن مراحلِ سقوطِ القلبِ وسقوطِ العين
وتبقى وحدَك الضحيةَ لأحاسيسَ مزعـجة،
تـحـبــه لكنك بـينك وبين نفسِك لاتحترمه
وربـما قلة احترامك له أكثـرُ من حبك.
ولأن الذاكـرةَ كالطريق
تلتقط معظمَ الوجوهِ التي تلتقيـها
والتي قد لا يعني لك أمرُها شيئاً
فإن سقوطَ الذاكرةِ هو أرحـمُ أنواعِ السقوط
لأنه آخِرُ مراحلِ سقوطِهم منك،
فالذي يسقط من الذاكـرةِ لا يـبقى في القلبِ ولا يـبقى في العين !
وكـم هو جـميلٌ أن نـجدَ لأنفسِنا أماكنَ دافئةً في قلوبِـهم وأعينِـهم
لكن الأجـملَ هو أن نحافظَ على نقاءِ هذه الأمكنةِ بـهم
وإذا قررنا يوماً السقوط…فلنتجنّب سقوطَ العين
لأن بعدَه يتسخُ البياضُ وتصبح كلُّ الـمساحاتِ النقيةِ ملوثة !
2022-09-24