الأماكن
(ظننتُ يوماً أن في كلّ الأماكنِ هُـم)
أماكـنُ تـمرّ بـها فتشم بـها رائـحةَ ماضيك
وكأنـها تعيد الزمنَ إليك بطقوسِه,
بسويعاتِه، بذكرياتِه،
بأُناسٍ قاسـموك يوماً كلَّ شيءٍ حتى أنفاسَك.
وأماكـنُ تـمرّ بـها
فترى بـها ملامحَ طفولتِك وتلمح بـها رفاقَك الذيـن كبروا
وتنقبُ عن آثارِ بـراءتِك عليـها وتتبعُ خطواتِ شقاوتِك على أرضِها
وتبتسم بـمرارةٍ وتـردّد: ليتنا لـم نـكبر.
وأماكـنُ تـمرّ بـها
فتفتـح لك دفاتـرَك الـمغلقةَ لتستعرضَ أمامَك صفحاتِك القديـمة
وتعيد إليك ما ألقيتَ به في خزانةِ الذاكرةِ متعمداً
وتـمنيتَ مع زحـمةِ الأيامِ أن تنساه
فتعلقتَ بطوقِ النسيان في بـحرِ الـحياةِ كالغريق ولـم تنساه.
وأماكـنُ تـمرّ بـها ,
فتكشف لك جرحَك الـمستور
وتعرّي أمامَك جسدَ الذكرى الـمغطى بـرداءِ النسيان
وتأتي إليك بأرواحٍ لوّحتَ لها يوماً مودّعـاً
ولوّحَت لك باكيةً وانكسارُ النصيبِ ثالثكـمـا.
وأماكـنُ تـمرّ بـها
فتطفئ نورَ صفحاتِك البيضاء التي تـفننتَ في زخرفتِـها وتنقيتِـها
وتستعرض أمامَك صفحاتٍ سوداء تفنّنتَ في الهروبِ منـها
وحاولتَ جاهداً مسحها من ذاكرةِ تاريـخِك
متناسياً أن ذاكرةَ الأماكنِ لا تُنسى أبداً.
وأماكـنُ تـمرّ بـها
فتناديك طرقاتُـها ليخيّل إليك أنك تسمع أصواتَ أصـحابِـها الذيـن كانوا،
وتلتفت حولَك وخلفك مرتعباً
فلا تلمح سوى بقايا تنبض بـروحِ الأمس
وكأنـهم ما كانوا.
وأماكـنُ تـمرّ بـها
فتتـمنى أن يعودَ الزمانُ عـليها دقائقَ لتعودَ كلُّ تفاصيلِها وطقوسِها
لِتقتنصَ منـها لـحظةَ فرح
فـمنذ أن غـادرْتَـها غادرَك الفرحُ
وغـادرَتك معها أشياءُ أخرى كثيرة.
وأماكـنٌ تـمرّ بـها
فتتـمنى أن تـختفيَ من فوقِ الأرض
وأن يتـمَّ مسحُ تضاريسِها تـمـاماً،
فعليـها فقدْتَ الكثيرَ من نفسِك
وعليـها نـحرْتَ الكثيرَ من قيـمِك
وعليـها كانت البشاعةُ عنواناً لإنسانيتِك
وعليـها كنتَ أنت ليس أنت.
وأماكـنُ تـمرّ بـها
فتغمض عينيك أمامَـها ألـمـاً
فهذه الأماكنُ كانت يوماً تعني لك الكثير
لأنـها احتوت أحلامَك في مـهدِها كالأم,
وربَتَت على حزنِ أيامِك كالوطنِ, وسترت مشاعرَك
ومنحتك الفرحَ والأمانَ بلا حدود.
وأماكـنُ تـمرّ بـها
فتشعر بالغصّةِ تتسلل إلى أعـمـاقِك
وتشعر بالـمرارةِ تستقرُّ في فـمِك،
فهنا أحببتَ يوماً
وهنا كان لقاؤك الأول يوماً
وهنا كان وداعُك الأولَ يوماً
وهنا كان انـكسارُك الأولَ يوماً.
وأماكـنُ تـمرّ بـها
فينحرُك الـمرورُ بـها نـحراً
فهنا كنتَ أجـمل
وهنا كنتَ أصغر
وهنا كنتَ أنقى
وهنا كنتَ أصدق
وهنا كنتَ أطهر
فتعود منـها مـحمّلاً بـكلّ الأشياءِ إلا نفسَك.
2022-09-24