عامود العمر
(ما احتجتُ لشيءٍ بعدك كحاجتي إلى عكـازٍ يـرفعني من الأرضِ ويـحميني من السيـر عـلى أربـع، لأن للعمرِ عـامودٌ إن سقط التصقَت سـمـاءُ العمر بأرضِه)
****
لا أعـلـم كـيف تـحول قلمي بعدك من سلاحي إلى عكـازي
ولولا هذا القـلـمُ لتساقطتُ منذ زمن
وأشدُ ما أرعبني بعد رحيلِك اكـتشافي أن للعمر أعـمدةً وأن بعضَ البشرِ أعـمدةٌ للعُمر
وأنه عندما ينكسر عـامودُ الإنسان يسقط الإنسان
وعندما يـنكسر عـامودُ البيتِ يسقط البيت
وعندما يـنكسر عـامودُ العمر يسقط البيتُ والعمرُ والإنسان
وقد كنتَ عـامودَ عمري وحيـن انـكسرتَ أنت سقط البيتُ والعمرُ وأنا !
لهذا لـم يؤلـمني قلبي وأنت تـرحل بـمقدارِ ما آلـمني ظَهري
حتى كدتُ أسيـر بعدك عـلى أربـع
فبعد موتِ الـحكـاية ينحني الإنسان كـثيراً
وانـحناءُ ما بعد الفراق يـجعلنا نبدو أكـبـرَ سناً وأكـثـرَ عـجزاً
فالفراقُ رصاصةٌ لا تصيب سوى الأجنحةَ والظهر
لهذا لا تـجيدُ العصافيـرُ التحليقَ والطيـرانَ بعد الفراق كـمـا كـانت قبلـه
ولا الأسُودُ تـجيدُ بعد الفراقِ قوةَ الزئيـر ما قبل الفراق
ووحدَها الأنثى تدركُ الفرقَ بـيـن العلاقةِ الـمفضّلة.. والصداقةِ الـمفضلـة
والـحكـايةِ الـمفضلة.. والـمرحلةِ الـمفضلة
وأنت لم تـكن حكـايةً مفضلة ولا صداقةً مفضلة ولا مرحلةً مفضلة
أنتَ كنت هذا العمرَ بامتـداد مراحلِه وعـلاقاتِه وصداقاتِه وحكـاياته
وكنتُ أنا الغجريةَ التي لا تـجيد تَعددَ صداقاتِها وعـلاقاتِـهـا
وتؤمن بـمبدأ الرجلِ الواحدِ للعمر الواحِد ..
لهذا حيـن انـكسرتَ أنت..
لـم يـكن في عمري أعمدةً أخرى تسعفُه بالوقوف !
ومع أننا لـم نولد في زمن الـحرب
ولا في زمنِ الـجاهلية
ولا في زمنِ الكوليـرا
ولا في زمنِ الطاعون
لكن، عُزلَ كـلانا في عـالـمٍ آخرٍ لا يـمتُ للآخَر بصلـة
فأمسى عـالـمي كجزيـرةِ النارِ التي إن اقتـربت منـها احتـرقْت
وأمسى عـالـمُك كـالـمدينةِ الـموبوءةِ التي مُنعتُ من دخولِها كـي لا أهلَكَ !
وبـرغـم أننا كنا كسائـرِ البشر حواءَ وآدمَ ،آدمَ وحواء.
وبـرغـم أنني لـم أسقط عـليك من السمـاءِ ولا أنت نـبتّ لي من الأرض
لكن ظهورَنا في العُمر الـخطأ جعل حبنا بـحجمِ خطيئةٍ عـلى الأرض!
وكـم حـمدت اللهَ أنك لـم تـتسرب إلى عـالـمي وأنا عـلى مقاعـدِ الدراسة
لكنتُ الآن أنثى فاشلـةً عرقلَ قلبُـها مستقبلَها !
لهذا كـان للخيال في عـلاقتي بك النصيبُ الأكبـر
وكـان للأحلامِ في حكـايتي معك دورُ البطولةِ الأولى
وكطائـرةٍ ورقيةٍ تـمـاماً كنتُ أمسكُ بك بـحرصِ طفلـةٍ تـخشى غـدرَ الرياح
لكن خيطَك انـقطعَ من يدي
وأخذَتك الرياحُ إلى حيث لا أعـلـم ولا أرى ولا أبـصر
وكعابدةٍ من زمنِ الـجاهلية بـقيتُ خلفك
أصنع أصنامَ التـمر في ليالي الـحنيـنِ فإذا ما جعتُ إليك الْتـهمتُ أصنامي بـنـهَمٍ غيـر مباليةٍ بـآلهتِـهم !
وقضيت عمري بعدك فوق شواطئِ الوهـم أبني القصورَ الرملية
وأنـتظر وصولَ سفينتِك الـمرتَـقبة فكـانت السفنُ الورقية تـمرُّني
السفينةُ تلوَ السفينة تلو السفينة
وأنساني ذهولُ الفراق..
أن قصورَ الرمالِ لا تستـرُ العشاقَ وأن بـحرَ الـخيال لا يـأتـي بالسفن
وكنتُ امرأةً قابلـةً للوهـم كـثيـراً وما أكـثـرَ الذيـن خدعوني بك
خدعني بك قلبي كـثيـراً، خدعَتني بك قـارئةُ الفنجان
خدعَتني بك قـارئةُ الكَف، خدعـَتني بك صـحفُ الـحظّ وكتبُ الأبـراج
خدعتْني بك حكـاياتُ جدتـي
حين أوهـمَتني أن وقتَ الأميـر
يتسعُ للبحث عن صاحبةِ الـحذاء
وفي حبِك لـم يـكن ينقصني حبُّ قيسٍ كـي أمرَّ عـلى الأبواب بغيـرِ حاجة
كـان ينقصني جنونُك
فـمـا أدمى عنقَ حكـايتي معك سوى قيد عقلي
فلا شيءَ يـكسرُ العاشق
كـالـحبِ بـجنونٍ والتـصرفِ بـعقل !
2022-09-24
إلى الأعلى