مقعد في القلب
(في قلبِك مقعدٌ واحد فأغـمض عينيك وتساءل بصدق: من يـجلس فوق ذلك الـمقعد؟)
هل تدرك ماذا يـعني أن يـكونَ في القلبِ مقعدٌ واحد؟
وما أهـميةُ ذلك الـمقعدِ في حياةِ امرأةٍ وحيدة؟
وماذا يعني أن تـمرّ قوافلُ الأحلامِ ويـمرّ القادمون والراحلون ويـبقى ذلك الـمقعد مـحجوزاً لرجلٍ واحدٍ دون سواه؟
وكنتَ يا سيدي الطالبَ الوحيد في مدرسةِ القلبِ
تـجلس فوق ذلك الـمقعدِ الوحيد
وكنتُ أشرح لك درسَ إحساسي بدقةٍ متـناهية
وكنتُ بـيني وبـيـن نفسي أتـمنى ألا يدقّ جرسُ الـحصةِ الأخيـرة أبداً.
نعم، كان في الصف يا سيدي طالبٌ واحد
كنت أشرحُ له الدرسَ بشكلٍ خاطئ
وكنت أتـمنى ألا يصلَ إلى الإجابةِ الصحيحة..
كنت لا أريدُه أن ينجحَ كـي لا ينـتقلَ إلى الفصلِ الآخَر
كـي لا يغادرني …كي لا يُـبقي الـمقعدَ أمامي خـالياً.
لكن الطالبَ الوحيد،
ذلك الـجالسُ فوق مقعدِ القلبِ كان أذكى من الرسوب
وكان أذكى من إعـادةِ السنةِ بـي
كان أجـملَ من أن يـبقى بلا رحيل
كان أروعَ من أن يطيل البقاءَ أمام عينيّ
كان أغلى من ألا يتلاشى وينـتـهي كالـحلـم.
ولأن الوقتَ كالسيف !
ولأن سيفَ الـحلـمِ كان أضعفَ من الصمود
ولأن الأماني كانت أنقى من فقاعـاتِ الـمـاء
ولأن عـمرَ الفرحِ كان أقصرَ من مرور حلم
ولأني كنت أخشى أن تـتلاشى وتغيبَ بغمضة عين
فقد كنت أبقى أمامَك مفتوحة العينيـن
أثـرثـر بك بـيني وبـيـن نفسي
وأستذكـرك وأراجعُك كدروسي الـمدرسية
وأحفظ تفاصيلَك الـجميلة.
وكنت في كل يومٍ ألقنك درساً في الـحب
وآخَرَ في الوفاءِ وثالثاً في الشوقِ ورابعاً في الـحنيـن
وأعلمك كيف تـكتبني فوق ورقةِ الإملاءِ
وكيف تـحفظني عن ظهرِ قلب
وكيف ..كيف حين أغيب ..تغيب أنت.
وكان أشدُّ ما يـرعبني هو أن يفاجئَني جرسُ الـحصةِ الأخيـرة
معلناً انـتـهاءَ حلمي معك وبك
فكنت أتـحايل عـلى الوقت
وأتـحايلُ عـلى الساعـاتِ وأتحايل على الدقائقِ
وكـم تـمنيتُ أن ينساني الوقتُ معك
فلا يُدق جرسٌ ولا يُطرق ناقوس
لكن الـجرسَ دقّ !
وأيقظَ الإحساسَ الـجميل وأزعـجَ الأمنيةَ وفتحَ عـيـنَ الـحلـم
وانتـهت الـحصةُ الأخيرة وتوقف الدرس!
ورحلت أنتَ حاملاً شهادةَ عشقٍ
منحَتك إياها امرأةٌ أحبتك بصدقٍ وجنون
وانتقلت منـها إلى مرحلةٍ لا تـحتويـني
وبقي ذلك الـمقعدُ خالياً وربـمـا باكياً.
2022-09-24
إلى الأعلى