(أحببتُك كـثيـراً كـثيـراً فلـمـاذا تنازلتَ له عني؟)
****
غداً إذا ما أمسيتُ له !
وألبسوني الثوبَ الأبـيض
وتوَّجوني بإكـليلِ الزهور
وتقدّمتني عـاداتُـهم تسبقني بالدفوفِ وبالطبول
وسارت خلفي تـقاليدُهـم تـزفُّني بالزغـاريد إليه
وتناثـرَت أحلامي تـحت أقدامِـهم كـالـموتى
كـالـجثث
كـالضحايا
كـالأشلاءِ !
غـداً إذا ما أمسيتُ له
وارتديت له الـحرائـر
والـخلاخلَ
والعقودَ
والـخـواتـمَ
ورقصتُ كـالـذبـيحةِ أمامه
بـحزنِ الـمطر
بـجنونِ الغجر
بشموخِ الـمكـابـر
بانـكسارِ الغرباء !
غـداً إذا ما أمسيتُ له
واقتـرب بالودّ مني
وطوّقَت أناملُه عنقي
وأخفضتُ رأسي أمامَه حزناً وألـمـاً
وبـي من حـمّى فراقِك ما بـي
وفضحتني خفـقاتُ قلبي
وارتعاشاتُ أطرافي
وبلَّلتني دموعي
فهل سيردعـه حزني؟
هل سيحتويـني بـرُقيّ العظمـاء؟
غـداً إذا ما أمسيتُ له
وجاءك البشيـرُ بالنبأ السعيد
وألقى عـلى عينيك القميصَ الـملطخَ بـدمِ أحلامي
وضـحكتَ في وجه البشيـر مقهقهـاً وساخراً ومـهستـراً
ويـدُك عـلى وجـهِك
تـتـفادى بـها صفعةَ الـخبـر بابتسامةٍ كـالكبـرياء !
غـداً إذا ما أمسيتَ له
وأهدوك النبأَ السعيدَ صباحـاً
فسارعتَ لتكون أولَ الـمهنئيـن
وبالغتَ في التبـريـكـات
وبالغتَ في الأمنيات
وفي الوردِ وفي الودّ
ثم أدَرتَ للنبأ السعيدِ ظهرَك كـالشيخِ الـمسن
تـقاوم السقوطَ بالانـحناء !
غـداً إذا ما أمسيتَ له
وعـدتَ بإرهاقٍ إلى عـالـمِك
وفتحتَ خزانةَ ملابسك
وتـحسستَ هديتي بذهولِك
وانتشر عطري في أجوائِك
وخُيّل إليك أني عـلى بابِك
وصرختَ كـاليتيـمِ في عـتـمةِ ظلامِك:
رحلت أمي
رحلت أختي
رحلت حبـيـبـتي
رحلت التي أهدَتـني بـجنونِـها كـلَّ النساء !
غـداً إذا ما أمسيتُ له
واغـتسلَ بالدمعِ وجـهُك
وتـراءى لك في ظلمةِ الـحنيـنِ وجـهي
وجاءت طفلتُك الصغيـرةُ باسـمةً
تـمدُّ يدَها إلى وجـهِك
تـتـهجّى اسمَك بصعوبةٍ
يُــ ….بُـــــ
يُبـــــَـــــه
فتذَكـرني بـها
فهذه الطفلةُ كـانت لي
أنـجبتـها لك بلا رحـم
وبلا حـملٍ وبلا مـخاض،
واللهِ كـأني استشعرتـها في ليالي الـحنيـنِ بأحشائي !
غـداً إذا ما أمسيتُ له
وبـكـوا في الـدفاتـرِ أطفالي
وانـتحبَتْ في الصناديقِ أسراري
ونادَتك الـحرائـرُ التي خبأتـها لك
وبـكـتكَ أحلامي التي أجّلتـها لك
وضاع صوتُ طفلتي بـيـن طياتِ الورق
تناديك: بابا..بابا.. بابا
وبابا كـالذئبِ الـجائعِ
يطارد نعاجَ الغابة بـجوعِ الاشتـهاء !
غـداً إذا ما أمسيتُ له
وعـدتُ بعد غيابٍ إلى غرفتي
أناظر سقفَها وأرضَهـا وأتـذكـر بغصة
في هذه الزاويةِ كتبتُك
وفي تلك الزاويةِ بـكيتُك
وهنا كـان انـكساري
وهناك كـان قلقي
وعـلى هذهِ السجادةِ كـانت صلاتي
وفي ذاك الركـنِ كـان دُعـائي !
غـداً إذا ما أمسيتُ له
ونادى الـمؤذنُ: الله أكـبـر، وقـمتُ إلى فرضي
وانـحنيت راكـعةً وخررتُ ساجدة
وردَّد لساني ما اعـتادَه من الدعـاءِ لك
وصفعَتني حقيقةُ الفراق
فاستغفرتُ اللهَ عـلى ذكـرِك في صلاتي
وبـكيتُ ثـم بـكيت ثـم بـكيت
حتى بـكـى البكاءُ عـلى بـكـائي !
غـداً إذا ما أمسيتُ له
وقلبتَ بعدي أوراقَ عمرِك
واستعرضتَ سنواتِ طيشك
ومراحلَ نضجك
وعـلاقاتِك
وعشيقاتِك
وصديقاتِك
وحليلاتِك
فتذكـر أني أحببتُك كـوطني
كـأرضي
كـعِرضي
كـآخرِ قطرةِ ماء
كـنقطةِ النورِ الأخيـرةِ في الظلـمـاء !
غـداً إذا ما أمسيتَ له
وتلفّتُ خلفي كـي أصافـحَ بالنسيانِ أمسي
وبـحثتُ عنك كـي أختبـرَ حـجمَ ذاكـرتي بك وقوةَ نفسي
وكـي ألـمحَك كـمـا قالوا وأضـحك
فهل سيصدُقُ وعـدُهـم لقلبي يوماً؟
هل ستصدقُ نبوءتُـهم؟
أحقاً ستصبح ذكـرى؟
أحقاً سأضـحكُ إذا ما التفتُّ يوماً ورائي؟
شهرزاد الموقع الرسمي للكاتبة الاماراتية شهرزاد