من منّا خذل مريـم والطفل؟
مريـم التـي أسبغـنا عـليـهـا دلالَـنا كـطفلٍ حقيقي وأكثـر
مريـم التي عـاشت بنا ومعنا
مريـم التي كبرت بـنا لا حولنا
مريـم التي شهدت كـلَّ مكـالـمـاتِـنا الهـاتفية
مريـم التي قرأت كـلَّ رسائلِنا الغرامية
مريـمُ التي صدقت كـلَّ أحلامِنا
مريـم التي وثقت بكلّ وعودِنا
مريـمُ التي أنصتت لـكـلّ خططِنا
مريـم التي فرحت وحزنت معنا
مريـم التي غضبت وثارت وبكت من أجلنا
وها هي الطفلـة المُدللة تـخرج من دفاتـري مكسورةً كـأميرةٍ منفية
خرجت قبل أن أفرحَ باستـقبالها واقعياً
قبل أن أضـعَ يـدي عـلى بـطني لأتـحسّس خارطةَ تـحركـاتـها
قبل أن تـطلقَ صرخةَ خروجـهـا للحياة
قبل أن أهديَـهـا تاريـخَ ميلادٍ خارج الدفاتـر
قبل أن تـمهلَكَ لـقطع حبلهـا السُـري
قبل أن تـمنحَك فرصةَ الأذان في أذنيـها
قبل أن ألتقط لهـا فـي مـهدِها صوراً شـخصـيّة
قبل أن نضيفَهـا فـي أوراقِنا الرسـميّة
قَبل أن يـمنحَني الوقتُ الفرصةَ لـمـمـارسة أمومتي عـليـهـا
مريـم خرجت من أحلامـي قبل أن أغسلَ بالـمـاء الـمَرقِـىّ وجـهَـهـا
وأمسح بـزيت الأطفال جسدَهـا
قبل أن أقرأَ آياتِ الله عـلـى قلبـها
قبل أن أقلـمَ أظافرَها وأمشطَ بالفرشاةِ الناعـمة شعرَها
مريـمُ غـادرت دفـاتـري
قبل أن أسهرَ لقياس درجةِ حرارتها والاستسلامِ للوساوس
كـلَّـمـا ارتـفعت درجةُ الـحرارة
قبل أن تـقلقَني حـمّى أسنانِـهـا
قبل أن أضبطَ ساعـةَ الـمنبه عـلى مواعيدِ دوائِـهـا
قبل أن أصطحبـها لروضتـهـا
قبل أن أعـانـي من إيقاظِهـا صباحاً
قبلَ أن أغـلفَ كـتبَـها الـمدرسيّة
قبل أن أعكرَ مزاجـي فـي استذكـار دروسِهـا
قبل أن تـحرقَ دمـي بدرجاتـها الشهرية !
مريـم غـادرت دفاتـري
قبل أن أجردَها من عـاداتِ الصغار وأدربـهـا عـلى عـادات الكبار
غـادرتني قبل أن أعودَها عـلى زجاجةِ الرضاعـة
قبل أن تـتخلـى عن لَهاية الصغـار
ورفـعِ كـأس الـمـاء بلا ارتـعاشٍ وتـناولِ الطعام بـلا مساعـدة
وارتـداءِ فستانِـها الزهريّ بلا ماما !
غـادرَتني قبل أن أشرحَ لهـا الـخيرَ والشّر
قبل أن أحذرَها من رفاق السّوءِ وسوءِ الرفاق
قبل أن أسردَ عـليـهـا حكـايةً قبل النوم
قبلَ أن أخدعَـهـا بفرسانِ الـحكـاياتِ وحكـايـاتِ الفرسان
قبل أن تغفو عـلـى يـدي فـي منتصف الـحكـايةِ بأمان
مريـم غـادرت دفاتـري
قبل أن تـمنحَني تـجربةَ دخولِ مـحـلاتِ الأطفال
قبل أن أتعرفَ عـلى مقاساتِ الصِغار وأحذيـةِ الصغار
قبل أن أختـارَ لـهـا ملابسَ الصيف و أنـتـقـي لها أثوابَ الشتـاء
قبل أن تسيـرَ تـحت شمسيةِ الـمطر بصحبتي ..
مريـم رحلت قبل أن أضـعَ صورتَـهـا عـلى كعكةِ ميلادِها
وأطفئَ شـمعـتَـهـا الأولـى بـيـن رفـاقِـهـا
وأغنـّي لها: ( هابـي بـيـرث دي تو يو مريـم هابـي بـيـرث دي تو يو) !
مريـم رحلت مـع أخيهـا تـاركـةً خلفها من الفراغِ الـمخيف
ما تـصفُرُ فيهِ الريـحُ والليل والـحنين
ليذَكـرَنـي صفيرُها
أنه ذات عـمر كـانت هناك حكـاية