وكأنك بيتي الأخير
بعض الحكايات تشبه الاوطان الآمنة، وبعضها الآخر يشبه المنازل الدافئة ،
وأنت كنت وطني الأول الذي رفضت روحي التأقلم مع كل الأوطان بعده ،
ومنزلي الأخير الذي لم تهدمه ذاكرتي رغم كل عمليات الهدم التي مارستها عليَّ الحياة ..
لكني لم أدرك ذلك إلا بعد أن تعرضتُ لنوبات برد داخلية بشكل مؤلم ومتكرر ،
فكل المنازل التي عشت فيها بعدك كانت باردة حد الصقيع ،
وكانت الرياح تصفر في زواياها بصوت مرتفع كأنها أنثى تنتحب خلف أحلامها،
وتخيم العتمة على طرقاتها كأنها بلا نوافذ ، ويبلل المطر رأسي بشدة كأنها بلا أسقف ،
فكنت أبحث في ممراتها عن الدفء الحقيقي فلا أجده ،
و أرتعش تحت أغطيتي الثقيلة كأنني طفلة سقطت في بركة نصفها ماء ونصفها ثلج ،
فلا أدفأ تحت الأغطية أبداً .
وكأننا حين انفصلنا أعلنت الحياة شتاء دائم ، فبعدك انتظرت الربيع طويلاً ولم يأتي ،
وانتظرت الصيف بحكاياته ولم يأتي ، وانتظرت الخريف بدفئه ولم يصل !
اتراك وأنت تغادر حملت فصول السنة في حقيبتك وأبقيت لي الشتاء فلم تدفأ روحي بعدك أبداً ؟
أو انك حين قلت وداعاً كنت قد أصدرت عليَّ حكماً بالبرد المزمن وأعلنت شتائي ؟
فعشت بعدك سنوات أظن ان الأشياء في الخارج باردة جداً فأتجنب لمسها ،
حتى اكتشفت بعد معاناة طويلة مع البرد أن الأشياء التي كانت تحيط بي لم تكن باردة ،
ولا الأغطية التي تدثرتُ بها كانت باردة ، ولا الحكايات التي بحثت ُفي ممراتها عن الدفء كانت باردة ،
ولا تلك الأحلام التي كنت ارتجف عند الاقتراب منها باردة ،
وان الشتاء كان في قلبي أنا فقط ، وان البرد كان حالة فقدان تلبست روحي أنا فقط ،
فحين نكون في حالة افتقاد نشعر بالبرد كثيراً ، وكأن الفقد يسرق من دواخلنا الكثير من الدفء ،
وعندها يبدأ شتاءنا الداخلي ، وتنهمر الأمطار بقوة ، ويملأ صفير الرياح اذاننا ، وترعبنا أصوات رعود العمر كثيراً.
أتعلم ؟
تتغير الفصول في قلوبنا كثيراً حين تكون قلوبنا في حالة فراق وحنين
2022-09-22
إلى الأعلى