كاذبة الفنجان
(كـاذبةُ الفِنجانِ إمرأةٌ قَلبَتْ فنجانَـها يـوماً وقالتْ: أنكَ لي)
لـمـاذا تذكـرتُكَ اليومَ وأنا أحَدقُ في قاعِ الفنجانِ وأتـذكـرُ حديثَ كـاذبةَ الفنجانِ
حيـن إدعَتْ أنَّ طِفلي الأولَ سيكونُ منكَ؟،
لـمـاذا تذكـرتُكَ اليومَ وأنا أتـجولُ في قلبِ وطني؟
ولا أطلالَ في وطني تُذكـرُنـي بكَ، ولا أطلالَ في وطنِكَ تُذكـرُكَ بـي،
لـمـاذا تَذكـرتُكَ اليوم وأنا أرتدي فستاني الأحـمرَ وأملأ ذراعي وقدمي بـاكـسسواراتِ الغَجر
التي عشقـتُـها منذ السَنةِ الأولى لـمُراهقتي؟،
لـمـاذا تَذكـرتُكَ اليومَ وأنا ألـمحُ صديـقتي تُـزَفُّ لغيـرِ حبيـبِـها؟
صديـقتي ستُنحَرُ هذا الـمساءِ بـاسـمِ القِسمَةِ والنصيـبِ،
لـمـاذا تَذكـرتُكَ اليوم وأنا أقرأ مـحفوظاتَ هاتفي الـمُتحركِ
بـكُـل تفاصيلِ الحبِ والفراقِ والعذابِ والحزنِ والحنينِ؟،
لـمـاذا تذكـرتُكَ اليوم وأنا أتصفحُ قديـمَ مقالاتـي
(أوصيكِ به خَيـراً، أحبُكَ مع الاعـتذارِ إلـيـها، تعالَ أعـيشُكَ، آهٍ لو تعلـمَ كـم ناديـتُكَ بـها)؟،
لـمـاذا تذكـرتُكَ اليومَ وأنا أقـفُ أمامَ الـمرآةِ بـكـاملِ زيـنـتي وأحاولُ جـاهِدَةً
إخفـاءَ آثارَ البكـاءِ عـليكَ تـحتَ عيني وفوق جـفـني؟،
لـمـاذا تَذكـرتُكَ اليوم وأنا أسيرُ في الطريقِ وحدي وصاحبُ الأماكـنِ يشدو بـها
فيخـتفي الطريقُ مِنْ أمامي ولا ألـمحُ سوى دموعي؟،
لـمـاذا تذكـرتُكَ اليوم وأنا أقـفُ أمامَ البَحرِ بشموخِ حُوريةِ البَحرِ
أنادي مِنْ قـاع البَحرِ: أينكَ يا أميـري؟،
لـمـاذا تَذكـرتُكَ اليومَ وأنا أقرأ أشعارَ الـمجنونِ في ليلاهِ وأستشعرُ عـذابَهُ
وهو يـمرُ عـلى ديـارِها يُـقَبلُ ذا الـجدارِ وذا الـجدارِ؟،
لـمـاذا تذكـرتُكَ اليومَ وأنا أمرُ عـلى حَـيـينا القديـمِ خِلسَةً أبـحثُ بيـن طُرقاتِهِ
عن عطرِ طفولتي وخربشاتِ رفاقي عـلى جُدرانِهِ؟،
لـمـاذا تَذكـرتُكَ اليومَ وأنا أزورُ بـيتَ جَدي الـمُغلَقَ منذ سنوات
أستنشقُ عِطرَهُ بـيـن الـجدرانِ وأسألها عن طِفلـةٍ كـانتْ أنا؟،
لـمـاذا تَذكـرتُكَ اليومَ وأنا أتـحسَّسُ ظَهري ويُـخَيَّلُ إليَّ مِنْ شِدةِ الطَعنةِ
أنَّ الـخنجرَ ما زالَ عـالقاً يـتأرجـحُ في ظَهري ذهاباً وإياباً؟،
لـمـاذا تَذكـرتُكَ اليومَ وأنا أقطعُ ورقةً مِنْ روزنامةِ الأيامِ
وأحصي عـدد الأيامِ الـمُتبقيةِ عن يومِ ميلادِكَ الـذي كـان يوماً هاجسي الـجميل؟،
لـمـاذا تَذكـرتُكَ اليومَ وأنا أنظرُ إلى كـف يـدي وألـمحُ خَطَّ الـحياةِ القصيـرِ وأتـساءلُ:
هل ستخدمُ الصُدفةُ قـارئةَ الكـف وأغـادرُ الـحياةَ كـمـا أخبـرَتني يوماً باكـراً؟
لـمـاذا تذكـرتُكَ اليومَ وأنا أحدقُ في قاعِ الفنجانِ وأتذكـرُ حديثَ كـاذبةِ الفنجانِ حيـن ادعَتْ
أنَّ طفلي الأولَ سيكونُ طِفلُكَ؟،
لـمـاذا تذكـرتُكَ اليوم وأنا أدفنُ وجـهي في وسادتـي بـاكـيةً وأرددُ بـحُرقةٍ قولَـهُ تعالى:
(وما كـنتُ بـدُعـائِكَ ربـي شَقيا)؟،
2022-09-21