ترحيب

على وهن

(تَـفـقّد أوراقَكَ الرسـمية فربـمـا وَجدتَ إسـمي مُدَوناً في خانةِ الأم،
فـمِنْ شِدَّةِ ما أحبـبـتُـكَ خُيّلَ لي أني ذاتَ مَـخـاضٍ تـألـمتُ كـثيـراً وأنـجبتُكَ)

أنا أمُكَ التي حَـملـتكَ في لـيـالي الفراقِ وَهناً عـلى وَهن
وتـمـنـيـتُـكَ في شهورِ الـحنينِ الأولى كـأمـنـياتِ الوحـم
كـأنكَ آخِرُ دقـائقِ الـحياةِ لروحٍ تَـحـتـضِرُ، كـأنكَ قِطعةُ الـخُبزِ الأخـيـرة في زمنِ القحط
كـأنكَ قطرةُ الـمـاءِ الـمُـتبقيةِ فوق أراضي الـجفافِ ، في زمنِ الـجفافِ.

أنا أمُكَ التي أيـقظـتـكَ بـاكـراً وغَـسَلَتْ وجـهَكِ بـيَدي ومَشطتْ شَعرَكِ الـمُبَللَ بـأطرافِ أنـاملي
ووَضعَتْ لكَ وجبـتَكَ الغذائـيةَ في حَقـيـبـتِكَ الـمدرسـيةِ وغَـلفتْ كُـتـبَكَ الـجديـدة
واصطحـبـتكَ إلى روضتِكَ في أولِ يـومٍ دراسي وغـافَلتْ طفولـتَكَ وأنا أمضي بـعـيـداً عنكَ
كـي أمنحَكَ فُـرصةَ الـتـأقـلـمِ مع صُـحـبةٍ جديـدةٍ وعـالـمٍ جديـد.

أنا أمُكَ التي طَهَتْ لكَ طعامَكَ وغَسلتْ ثـيابَكَ ورَتـبَـتْ خزانـةَ ملابسَكَ الـمُبعـثـرة
ووَضعتْ رأسَكَ عـلى رُكـبتي أُلاعِبُ خُصَيلاتِ شَعرِكَ بـيدي وأسردُ حكـايةَ ما قَبلَ النومِ عـليكَ
فإذا ما غفوتَ على سـاقـي مَسحتُ خَدَّكَ بـظَهرِ أنـاملي ورَددتُ بـاكـيةً: لو تـعلـم كـم أحـببـتُكَ لو تعلم!.

أنا أمُكَ التي رَبـطتْ كِـلابَ الـحي عـنكَ كـي لا تُؤذيكَ وأوصيتُ بكَ رفاقَكَ الأوفياءَ خيـراً
ووقـفتُ كـالسَد الـمـنيـعِ بـينَكَ وبـيـن حـجارةِ الزمنِ وخـناجرِ الأصدقـاءِ ورصاصِ الأيـامِ ونـوائبِ الـدهرِ.

أنا أمُكَ التي سَهرَتْ الليلَ أُحـيكَ لكَ ملابـسَ الشِتاءِ وأنسجُ لكَ كـوفيتَكَ الصوفية
وأسكبُ نُـورَ عـيـني في راحةِ ليلِـكَ وأرقـعُ ثـوبَ الـحنينِ إليكَ كـي لا يـتـمزَّقَ في غـابـتِـهمْ فيُعَرّيـني أمامَـهم ويـفضحُني.

أنا أمُكَ التي كـلـمـا شَعرتُ بـحركـاتِكِ ونـبضاتِكِ بـي تـحسستُ نُـمُوَّكَ في قلبي
وكـلـمـا شَعرتُ بكَ تَـكـبُـرُ بـي دعوتُ الله أنْ أبـقى حُبلى بكَ وألا ألـدَكَ أبداً
كـي لا يـخلو منكَ رَحـمي، كـي لا يـُخيفَـني الفراغُ بـي بَعدَكَ كـي لا يـستقِرُ آخَرٌ بـمهدِكِ بـي.

أنا أمُكَ التي أضعُ قلبي في مَـهدِ الشوقِ كُـل ليلـةٍ وأهُزُّهُ بيـن أضلعي بـحَبلِ الـحنينِ إليكَ
وأُغني لـه وأهدهدُهُ وأُناغيهِ وأخـادعُـهُ بـنَضجِ الـحجارةِ عـلى الـنـارِ حتى يـغفو كـالطِفلِ بـيـن أضلعي ويـنـام.

أنا أمُكَ التي حين أراكَ أمامـي أدركُ أني نـائـمةٌ
وأنَّ رحـمةَ القدرِ ألـقَتْ بكَ عـلى عـتبةِ منامـي كـي أعـيشَكَ خيالاً فأحضنُكَ بـشِدة
كـأنكَ آخِرُ أطواقِ النـجـاة لي وأغـمضُ عـيني بـقوةٍ قَدرِ استـطاعـتي
كـي لا أستيقظَ مِنكَ فـتضيعُ في لـحظةِ الاستيقـاظِ كسرابِ الطريـقِ مني.

أنا أمُكَ التي حين تـجوعُ  تُـقلـقُـني لُقمَـتُكَ
وحين يَـتسللُ بَـردُ الشتاءِ إلى عظامـي يُـقلـقُـني أمرُ شتـائِكَ
وأمرُ دفئِكَ وأمرُ غـطـائِكَ وأتساءلُ هل حَفِظتَ وصايـايَ بكَ
أمْ أنـها تـركـتكَ فريـسةً لألـمِ الـجوعِ وبـردِ الشتاءِ ووحشةِ الليل.

أنا أمُكَ التي كـنتُ أتـفقدُ مكـانَكَ عند الغيابِ بـقلقٍ فأبـحثُ عـنكَ كـالـملسوعـةِ بالرُعبِ
كـالـملـدوغـةِ بالظنونِ، فأطرقُ أبوابَ رفاقِكَ عند افـتـقـادِكَ بـجَزعٍ وأهاتـفُـهم وأتـخابـثُ وأتـحايلُ للسؤالِ عـنكَ.

أنا أمُكَ التي كـنتَ أراكَ بـيـنـهن وأحتـرقْ وأشـمُ عِطرَهُنَّ بـكـلـمـاتِكَ وأخـتـنقْ وأتـخيلُكَ بسريـرِها وأموت

 وأراكَ بـأحضانِـها في غفوةِ يـقظَتي فأقضمُ عَظمةَ إصبعي غِـيـرةً عـليكَ وأنـكسِرْ.

أنا أمُكَ التي انـتظرَتكَ في ليلـةِ العيدِ بـلهفةٍ وافـتـقدتكَ في صَـباحِ العيدِ بـألـمٍ
وبـحـثتْ عـنكَ في وجوهِ الـمُعيديـن بـصَمتٍ وخَبأتُ لكَ حلوى العيدِ بـجَيبِ ثـوبـي
وصَرَرتُ لكَ عـيدِيَّـتَكَ بـطَرفِ غطاءِ رأسي وقلتُ غـداً حين يـأتـي الشوقُ به
سأحدثهُ عن الكـثيـرِ وأُعـاتبهُ عـلى الكـثيـر.

أنا أمُكَ التي كـنتُ أشعرُ بـألـمَكَ قَبل إصابـتِكَ به وبـهَمكَ قَبل استـقرارِهِ بكَ
وبـمرضِكَ قَبلَ وصولِـهِ إليكَ وكـان الـحُبُ كـالـمشيـمةِ يـربطُ بـيـن قلبي وقلبِكَ
مُتَحديـاً مسافاتَ الزمنِ وظُلمة الوقتِ ومساحـاتِ البُعدِ.

أنا أمُكَ التي أضـحكـتكَ وأبـكـيـتَـها، أسعدَتكَ وأشقيـتَـها قَوَّمتكَ واحنَيتَـها،
سَتـرتكَ وعَرّيـتَـها، احتَوتكَ وشَرَّدتَـها، حَفظتكَ وضَيَّعتَـها
وأشعلتَ رأسَ قلـبِـها بـالشَيبِ حُزناً عـليكَ وحـنيـناً إليكَ
فلا هي كـرهـتكَ ولا هي غَضبتْ منكَ ولا هي دَعَتْ بالشَر عـليكَ.

أنا أمُكَ التي كـتـمتكَ عـنـهم كـالسِر العظيـمِ وأخفَتكَ عن أعـيُـنِـهم كـالفِعلِ الـمُريبِ
وعـانـيتُكَ وحدي كـالـمَرضِ الـخـبيـثِ وأحـبَبَتكَ بـلا مُقـابل، وحَفِظَتكَ بـلا مُقـابلْ
وسَتـرتكَ بـلا مُقـابلْ، واحتويـتُكَ بلا مُقـابلْ، وتـمنيتُ لكَ الـجَنةَ بلا مُقابلْ.

أنا أمُكَ التي جَـنبـتكَ الـحَرامَ خوفـاً عـليكَ ودَعتْ اللهَ لكَ حِفظاً فوق الأرض
ويـحفظُكَ اللهُ يـوم العَرضِ وتَـمنَّتْ أنْ تُـكسَرَ زجاجَةُ خَـمرِكَ وتُـحرَقُ عُـلبةُ سـجائـرِكَ
وتُـمسَحُ ذنوبُ صـحيـفَتِكَ وتـزورُ بـيـتَ اللهِ الـحرامِ بـصُحبَـتِكَ.

أنا أمُكَ التي إنْ مُتُّ يـوماً سيقـتـلُكَ اليُتـمُ بَعدي وسيقـتـلُكَ البَـردُ بَعدي
وستبحثُ عني بـيـن نساءِ الأرضِ وستبكـي عـلى أسِرَّةِ بـناتِ الليلِ طُهري
وستـدركُ بَعدَ الأوانِ أنـي أنـثى حين أحببَتكَ أنـجبَتكَ.

 

 

 

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
dimahna