ترحيب

منبه الأحلام

 

(استيقظتُ مِنكَ بلا رنينٍ فـحتى حُلمي بكَ لـم ينتظرني)


أظنُني قد اقتربتُ أخيراً مِنْ بابِ الـخروجِ مِنْ كهفِ حكايتِكَ
فبعضُ النورِ بدأ يتسللُ إلـيَّ
وأظنُني على بُعدِ خطواتٍ قليلـةٍ مِنْ الـمَحطةِ الأخيرةِ
فالآن أقفُ فوق آخِرِ بُقعةِ أرضٍ يَـحِقُ لي الوقوفَ عـليـها معكَ
إنَّها بُـقـعـةُ الـخِتامْ

وكـأني أستيقظُ الآن مِنْ حُلُـمِ ليلـةٍ طويلْ

حُلُـمٌ امتـدَ بـي مِنْ مساماتِ الرأسِ حتى مساماتِ القَدَمِ
فأحلامُنا هي التي تـمتدُ بنا وليسَتْ الليالي
وبعضُ الأحلامِ ليلة وبعضُ الليالي حُلمْ.

التفتُ حولي أتلمسُ جفافَ الأشياءِ بـجانبي
لأكتشِفَ خديعةَ الشتاءِ ووَهـمِ البَردِ والـمَطرِ
فالسمـاءُ لـم تَكُنْ تـمطرُ
والشِتاءُ لـم يَكُنْ قارِصاً سوى في حكـايتِكَ
في الـحلـمِ عِشتُ معكَ حكـايةً شِتائيةَ الطُقوسِ
فـمُنذ قليل كان الـمطرُ في الـحُلـمِ يُـبَللُني
وكنتُ ألجأ إلى الاختباءِ  تحت مِعطفِكَ وأنا أغني مِنْ بين ارتعاشِ الشِفاهِ واصطـكـاكِ الأسنانِ:

( قديش كان في ناس عالمفرق تنطر ناس وتشتي الدني ويحملوا شمسية وأنا بأيام الصحو ماحدا نطرني)

وكـمـا ترى،
حتى حُلمي بكَ لـم ينتظرني
غـادرَ الـحُلـمُ وأنا في كامِلِ عاطِفَتي وحاجَتي وزينـتي لـحكـايتِكَ
وكأنَّ حكـايتَكَ غفوةُ نائـمٍ وحُلـمُ شتاءِ فاخر
حُلـمٌ راقَصتُ فيه الأميرَ حتى الصَباح
حلـمٌ لاعبتُ به سَبعةَ أقزامٍ طـيـبـين
حلـمٌ تـزوجتُ به ابنَ السُلطانِ في حفلٍ أسطوري
حلـم غـنّى لي به روميو تحت شُرفَتي دقائِقَ مِنَ العُمر
حلـمٌ مَرَّ به قيسٌ على بابـي وقَبَّلَ تـرابـي وجُدراني وجدرانِ جُدراني
حلـمٌ انتصرَ به عنترةٌ على فرسانِ القبائلِ كـي يفوزَ بـي
وها أنا ذا أفتحُ عيني بلا قُبلةِ حياةٍ مِنْ أميرٍ تسحَبُ السُمَّ مِنْ جسدي
فأنا لـم أكـنْ مَسمومةً بكَ
أنا كنتُ مَـحمومةً بكَ

أسيرُ بَعدَكِ في زحامِـهم مكتوفةَ الأيدي كـي لا يلمحوا حَـجمَ الكَسرِ في جناحي

نعمْ يا سيدي
الرَجلُ الذي سأودعُـهُ هذهِ الـمَرةِ خارجَ الورقْ
والدموعُ التي سأبـكيـها خلفَهُ خارجَ الورقْ
والـيـمينُ التي ستـرتـفـعُ له مُودعـةً خارجَ الورقْ
والوسادةُ التي سأبلِلُها بدموعي خارجَ الورقْ
والضِلعُ الذي سيَنكسِرُ بـي خارجَ الورقْ
وأمـي التي سأفِرُّ مِنْ إحساسِ قلبِها بـحُزني خارجَ الورقْ
ورفـاقـي الـذيـنَ سأسترُ عن أعيُنِهم آثـارَ البُكـاءِ والسَهرِ خارج الورقْ
وعـذاباتُ الورقِ تـختلفُ لأنها تـنـتهي على الورقْ
فالنحتُ عـلـى الورقِ يـختلفُ كثيراً عن النَحتِ على الـجَسدْ
وأنتَ كُـنتَ نـحتـاً عـلى الـجسدْ
أنتَ وَشـمٌ سأحتاجُ الكثيرَ مِنَ الوقتِ لإزالةِ أثَرِهِ
وسأحتاج للكثيرِ مِنَ الأغطيةِ والـملابسِ والأقنعةِ لإخفائهِ عنهم
وسأحتاجُ للكثيرِ مِنَ الوقتِ كـي أعودَ إلى قالبي القديـم

قالـبي الذي كنتُ فيه امرأةً حديدية
فكُل الأجزاءِ الـمـاضيةِ كـتـبـتُها وأنا في حالـةِ صَـحوٍ ونشاطٍ شديدْ
إلا هذا الـجُزءُ، أكـتبُهُ وأنا في حالـة وَهنٍ وبَردٍ شديدٍ
بَردٌ يدفعُني للتَدثـرِ بأغطيةٍ كثيرةٍ
لكن البردَ  كُـلـمـا تدثرتُ يزدادُ
فبَردُ الفراقِ لا يعترفُ بدفءِ الأغطيةِ وثِـقلِها
للفراقِ برودةٌ تستعمرُ الأطرافَ
لهذا نـحن نرتعشُ عند الفراقِ كثيراً وكثيراً وكثيراً
ورعشةُ الفراقِ كـرَعشةِ الـحَظ
إما أنْ تكونَ انتفاضةً لبدايـةٍ جديدة
فتـفتـحُ لنا أبوابُ البداياتِ لننتَـقي منها  الأنسبَ
أو تُغلقُ عـلينا ما لا عددَ له مِنْ سُـجونِ النهايات
فبعضُ النهاياتِ كالـمُعـتَقلاتِ السياسية
تُـنَكّـلُ بـنـا وتُـذيقُنا مِنَ العذابِ ابشعَهُ
وأشعرُ اني مُعَلَّقةٌ مِنْ رأسـي في سَقفِ غُـرفةٍ سياسيةِ التعذيبِ
وهذا الـحزنُ يـختلفُ عن أحزاني السابقة
فأحزاني السابقة كـانتْ تدفعُني للبحثِ عن صديقٍ أفَرّغُ في قلبهِ هَـمي
وهذا الحزنُ يدفعُني للبحثِ عن مكانٍ لا يصلَني به بَشرْ
لهذا أنا أوثقُ النهايةَ الآن مِنْ هذهِ البُقعةِ الـموحشةِ
مكانٌ قديـمٌ
بـيـتٌ مـهجورٌ
مات أصـحابُه وزَهدَ ورثـتُهُ بأطلالِ أرضِه وبقايا جُدرانِه
ويُـخَيَّلُ للجـالسِ به أنَّ أنيـنَ أحدَهُـمْ يصدرُ مِنْ هذا الـمكـان
ربما هي أرواحٌ عـاشَتْ هُنا يوماً
واتـخذَتْ مِنَ الـمَنزلِ القديـمِ وطناً لها يصعبُ عليها فراقَهُ
فبعضُ الأماكـن كـالأوطانِ
تـغـتـربُ الأرواحُ كثيراً حين تـرحلُ عنها
وبعضُ الأرواح كالطيورِ لا تستطيعُ التَحـليقَ والـمغادرةَ بشَكلٍ مفاجىءٍ
وهكـذا كنتُ أشعرُ معكَ
كان يُـخَيَّل إلـيَّ حين أراكَ أني أسـمعُ صوتَ رفرفةَ أجنحةٍ ما عـلى ظَهري
معكَ وحدَكَ تلهفتُ على مُتـابعةِ نُـموِ الأجنحةِ عـلى ظَهري
معكَ وحدَكَ تـمنيتُ أنْ أتـحوَّلَ إلى عصفورةٍ
ربـمـا هي رغبةٌ دفينةٌ لـمُلازَمتِكَ
فالعصافيرُ لا تـحتاجُ لـتبريرِ تواجُدِها أمامَ بابٍ ما أو نافذةٍ ما
العصافيرُ ليسَتْ مُضطرةً لِـتـغييرِ وُجـهةِ طيرانِها خوفاً أنْ يُـفتضَحَ أمرُ قلبِها
العصافيرُ لا تُـقَيدُها كـرامةٌ ولا يـمنعُها عن وُجـهَتِها تَـخيُّلُ ظُنونٍ سوداء
العصافيرُ تـنتـقي الطرقاتَ وتـنتـقي الأشـجارَ وتـنتـقي النوافذَ وتـنتـقي الـحيطانَ.
كـم أعشقُ البيوتَ العتيقةَ يا سيدي
وكُلـمـا تَسللتُ إلى بـيتٍ عَـتيقٍ تَساءلتُ
لـمـاذا ليسَ للجُدرانِ القديـمةِ أبواباً؟
أبوابٌ سريةٌ ندخلُ منها للزمنِ القديـمِ
فكـم أوَدُ الآن الفرارَ إلى زمنٍ قديـمٍ
زمنٍ تـختلفُ خارطتُهُ عن خارطةِ زمنِنا كثيراً
أفـتـحُ عيني الآن بلا ضـجـيـجٍ وبلا رنينٍ
فلـم يَعبث أحدٌ بـمُنبهِ أمني
لأني أنا استيقظتُ بلا رنينٍ
فلطـالـمـا أقلقَني في حكايتِكَ الرنين
لهذا فـمنذُ أنْ أحببتُكَ وأنا أحرصُ عـلى عـدمِ ضبطِ الـمُنبهِ

خِشيةَ أنْ أكونَ معكَ في حُلـمٍ ويَسرقُكَ الرنينُ مني
كنتُ في حالةِ تَرقبٍ مُرعبٍ  لِطَلقةٍ أو لصرخةٍ أو لصوتِ انكسارٍ ما أو لنداءٍ مُباغِتٍ
لأي شيءٍ له قُدرةً عـلى إيقاظي منكَ بشَكلٍ مُفاجىءٍ
ومع هذا استيقظتُ بلا مُقدماتٍ وغـادرتُ بلا مُقدمات

تـمـاماً كـمـا أحببتُكَ يوماً بلا مُقدماتْ
فكُلُّ شيءٍ معكَ كـان مُباغتةً بلا مُقدماتْ
كـان للبَغتَةِ دَورُ البطولةِ في حكـايتِكَ
و البَغتةُ تُـرعِبُ كثيراً
لأنها لا تـمنحَنا حَقنا الإنسانيَ في الاستعدادِ
لاستيعابِ ما نـحتاجُ للكثيرِ مِنَ الوقتِ لاستيعابهِ وقبولِه
لهذا فاجأني ظهورُ بابِ الـخروجِ مِنْ حكـايـتِكَ في هذا الوقتِ أمامي

فـغادرتُ وأنا أضعُ يـميني على قلبي
ويَساري تُـحاولُ التحكمَ في مِقوَدِ السيارة
وتـحجبُ دموعي عني الكثيرَ مِنَ الرؤيا
ليستْ الـمَرةُ الأولى التي يـحترقُ بها هذا القلبُ ويَنـزوي كـاليتيـمِ الـمَكسورِ بـيتَ أضلُعي

وليستْ الـمَرةُ الأولى التي تُلَوّحُ بها هذه اليـمينُ عـلى مـحطاتِ الوداعِ مُوَدعـةً قِطعةً مِنَ الروح

وليسَتْ الـمَرةُ الأولى التي أتـجوَّلُ بها في طرقاتِ الـمدينةِ وغَزيرُ الدموعِ يـحجبُ الرؤيةَ عني

ليسَتْ الـمَرةُ الأولى التي أقـفُ بها على البحرِ وفي قلبي صرخةُ حُزنٍ لا يسمعُها سواي

ليسَتْ الـمَرةُ الأولى التي أحاول أنْ أرفرفَ بها عـالياً بإتجاهِ قامَةِ أحلامي ويـخذلُني وَهنُ أجنحتي

وليسَتْ الـمَرةُ الأولى التي أعود بها إلى منزلي مكتوفةَ الأيدي
كـي لا تلمحُ والدَتـي حَجمَ الكَسرِ في جناحي

ليسَتْ الـمَرةُ الأولى التي أتسللُ بها إلى غرفتي وأُغـلقُ البابَ بالقفلِ مَرَّتينِ مُتـتاليَتـين

وكـأنَّ مَرةً واحِدةً لا تُـشعرُني بالأمانِ كـي أمارسَ حُزناً وبكاءً سِرياً

ليسَتْ الـمَرةُ الأولى التي أضعُ بها رأسي على رُكـبتي وأطَوّقهُ بـيديّ
وأنـتحِبُ كأسيرةٍ حُرةٍ تـم أسرَها بَعدَ أنْ ضاعَ الوطنُ والأخُ والولدُ
لكن الفرقَ هذه الـمَرة أنَّ كُلَّ هذهِ الطُقوسِ ستكون خارجَ الورق
فلِلمَرة الأولى سأقفُ عـلى مـحطاتِ الوداعِ خارجَ الورق
لِلمَرةِ الأولى سأخرجُ مِنْ بابِ حكـايةٍ  خارجَ الورق
للمَرة الأولى سأفارقَ بَطلَ الـحكـايةِ خارجَ الورق.

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
dimahna