ترحيب

دُمْيَة

 

(منذ أنْ أهديتني دُمية وقلتَ لي: إنها إبنتُنا، وأنا أتساءلُ بدَهشةٍ:
لماذا تشبهُ إبنتُنا دميتَها كثيراً؟!).

معظمُ عاشقاتِ الأرضِ
يحتفظنَ في مرحلةٍ ما بــ (دُميَة)
يَـخترنَ لها إسـمـاً
ويـمنَحنَها الوسادةَ الأخرى
ويُمـارسنَ عليها أمومةً مُنتظرةً
وقد تذبلُ الدميةُ على الوسادةِ
والأمومةُ الـمُنتظرةُ لا تَصلْ.

فوعودُ الـحُبِ لا تـمنحُ الدفءَ طويلاً
ونحن لا نشعرُ بفراغٍ  وبَردِ وسائدِنا الأُخرى
التي يتوسَّدُها رأسُ دُميةٍ
إلا بَعد أنْ يُغادِرَنا دفءُ الـحُبِ
فـنـتحسَّسُ وسائِدَنا بَـحثاً عن بقايا عُـمرٍ
وتصبحُ الرُؤيةُ عندها أوضـحَ
فضبابُ الـحُبِ لا يُـرافقُنا كُلَّ العُمرْ.

هكذا أخبروني وهكذا ظننتُ
لكن الضبابَ لـم يُغادر نوافِذَ قلبي أبداً
ولـم ألـمحْ صورتَكَ بوضوحٍ يوماً
لهذا بقيَتْ الصورةُ جـميلةً
وبقيتَ أنتَ في ناظِري شاباً بـرغـمِ مُرورِ السنواتِ،
فكنتُ أنا أكبرُ في الـمرآيا وأنتَ لا تكبر
وكان وجـهُكَ يُـراودُني كثيراً كـمـا يُـراودُني الآن بإلـحاح،
فكنتُ أتفائلُ بذلكَ كثيراً لأني آمنتُ بقولِ جدتي:
إنَّ الوجوهَ التي تُـراودُنا يأتي لنا الهُدهدُ منـها بنَبأ عظيـمٍ
كنبأ بلقيسَ الذي سَبقَ لسليـمـانَ بلقيساً
أو كريـحِ يوسُفَ التي سَبقتْ ليَعقوبَ يوسُفاً
لكني لـم أرَ الهُدهدَ يوماً على نوافذي
ولـم ألـمحْ على شُباكـي بعدَكَ سوى البَردَ والوحدةَ والشِتاء
الشِتاءَ الذي كان يـزدادُ وَهناً عـاماً بَعد عـام.

وها أنا ذا بعد عشرينَ عاماً مِنَ العُمرِ
تُـراودُني رغبةُ البوحِ لكَ بالكثيرِ
فـمِنْ أيّ الصفحاتِ أبدأ بَوحي؟
وأيُّ الأوراقِ تـحتـمِلُ سَردَ تفاصيلِ عِشريـنَ عاماً؟
فهلْ أخبرُكَ عن دُميَتي القُطنية التي أهديتني إياها ذاتَ بدايةٍ حالـمةٍ
وأخبرتَني أنـها إبنتُنا؟.

كَبرتْ دُميتي يا سيدي
أصبح عُـمرُها الآن عشرينَ عـاماً وأكثر
أيـرعبُكَ الرَقـمُ؟ أنا ما عـادَ يُـرعبُني
فدُميَتي كبرتْ على غفلةٍ مني
ككُل الـمُتغيراتِ والأشياءِ التي حدثَتْ لي بَعدَكَ
كانتْ على غفلةٍ مني
فلـمْ يتدرَّج بـي شيءٌ
لا الـحنينُ تدرَّجَ ولا الفَقدُ والنسيان.

 

عشرونَ عاماً يا سيدي
وما زالتْ دُميَتي مُهذبةً هادئةً كـمـا تـركـتَـها تـمـاماً
فهي لا تغادرُ مكانَـها مـهمـا تأخرتَ عليـها
ولا تسكبُ اللبنَ الساخِنَ فوق السجادِ الثـميـنِ
ولا تَـخلفُ قِطعَ اللُعبِ خلفَها
ولا تعترضُ على دخولِ دَورةِ الـمياهِ
ولا تبكي لدخولِ صابونِ الإستحمـامِ في عينيـهـا.

 

عشرونَ عاماً يا سيدي
وما زالَتْ إبنتُنا قُطنيةً
لـم تَنبُتْ أسنانُـها الأماميةُ ولا الـخَلفيةُ ولا اللَبنية
ولم تُفاجئني بالنُطقِ يوماً
ولم تـزداد كأبناءِ رفيقاتي طُولاً
ولا كفتياتِ جيراني عَرضاً لكن ملامِحَها تغيرَتْ كثيراً.
بَهتَ لونُ شَعرِها
وتغيَّرَ قُطنُ وجـهِـها
وإهترأتْ حشوةُ جَسدِها
فالسنواتُ تنالُ حتى مِنَ الـجَـمـاد.

عشرون عاماً ياسيدي
وأنا أسهرُ الليلَ على تربيةِ دُميةٍ منكَ
فهلْ يحقُ لي بعد عشرينَ عاماً

أنْ أطالبَكَ باوراقٍ رسـميةٍ لـدُميَتي؟.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
dimahna