أتكون أنت مراهقتي ؟
مُراهَقَتي
(مُراهقـتُـنا الـمتأخرة رائِعة وكأنها عـاطفةٌ تأتي لتوقظَ الموتى بنا)
أتكونُ أنتَ مُراهَقَتي المتأخرة ؟
ثورةُ البركانِ التي تعترضُ طريقَنا ونحن بإتجاهِ مرحلةٍ ما مِنَ العُمر؟
مُراهَقَتي التي لم تستيقظ وأنا على عتبةِ البلوغ
مُراهقَتي التي لم أصافـحها وأنا على المقاعـدِ المدرسية
مُراهقَتي التي كـانت وصايا أمي وجَدّتي أقوى مني ومنها
مُراهقَتي التي كنتُأسترُها وأستتِرُ منها إدعـاءاً للنضج
مُراهقَتي التي بحثتُ عنها طويلاً بين أكوامِ الكتبِ والصُحفِ والرواياتِ
ولم أجدها ولـم تجدني.
فعِشتُ بين رفيقاتِ صبايَ كتـمثالٍ مِنَ النُضجِ
تَـمُرُّهُ الـمشاعرُ ولا تَـمُرُّهُ.
وسَـمِعتُ نسوةَ الحي يوماً يتهامَسنَ أمامي موقِنات
أنها يوماً ما ستأتي
ستَطرقُ بابـي في مرحلةِ مِنَ العُمرِ
قالوا ما لـم يـأتـي في مرحلةِ البلوغِ يـأتـي في مرحلةِ النُضجِ
وأنَّ مُراهَقةَ النُضجِ تختلفُ كثيراً
فـمُراهقةَ البلوغِ بها مِنَ الأحلامِ والفرحِ والطَيشِ الكَثيرْ
بـينـمـا مُراهقةَ النُضجِ بُركانٌ ثائِرٌ
وكأنّنا حين نُصابُ بها نحاولُ أنْ نَنـتهِزَ كُلَّ دقيقةٍ لنا في الحياة
فتصبحُ دقائِقَ الحياةِ أغلى
وكأنّـنا إكتشفنا الحياةَ للمَرةِ الأولى
وكأنَّ كُلَّ ما مضى مِنْ حكاياتٍ لـم تكُنْ سوى بروفاتاً مُكررة
مِنْ أجلِ الـحكـايةِ الأنضجِ والأقوى
وسَخرتُ يومَـها مِنْ قولِهنَّ حَدَّ الضَحكِ
وتساءلتُ كيف لقلبٍ يَسيرُ على ثلاثٍ وَهناً
أنْ ينبضَ بقوةٍ؟
وكيف للحُبِ قُدرةً على بَث الروحِ في جُثةِ قلبٍ مُتـآكـلةِ الأطراف؟
لكني إكـتشفتُ الآن وبعدَ أنْ كَبرتُ
وبعد أنْ ماتتْ عـجائزُ القومِ
أنَّ تجربتَهُنَّ كانتْ أعظمَ مِنْ سُـخريتي
وأنَّ عـاطفةَ النُضجِ هي عـاصِفةُ العُمرِ
لها في النفسِ مكـانةً مُخيفةً كأنَّها آخِرُ الأبناءِ
كأنها آخِرُ الفُرَصِ
كأنها آخِرُ الأطواقِ
كأنها آخِرُ اللحظاتِ على هذه الأرضِ
فـمٌراهقتُـنا الـمُتأخرةُ رائعةٌ
كأنَّها عـاطِفةٌ تأتـي لِتُوقِظَ الميتَ بنا
لتَـمنحَنا فرصةً للشُعورِ بالحياة
لتُذكرَنا بالقلبِ والنبضِ والسَهرِ والشوقِ
لِتقيسَ لنا مساحةَ الـمُتَبقي بنا مِنْ قُدرةٍ على الجنونِ والحُبِ بجنونٍ
فنحنُ ياسيدي نحتاجُ للإعتراضِ أحياناً وبقوةٍ
نحتاجُ للتـمردِ
نحتاجُ لِرَفضِ أشياءٍ قَبِلناها مُعظمَ العُمرِ
نحتاجُ لتبديل أسطوانةِ حرصِنا العُمر على الإستماعِ إليها وترديدِها
كأغنيةٍ مِنَ التـراث.
وأنتَ جئـتَني في مرحلةٍ بدأ الهدوءُ يُـخيّمُ بها على أحلامي وأحزاني
لهذا أحتاجُ كي أصِلَكَ إلي الكثيرَ مِنَ التَمردِ
والكثيرَ مِنَ الرفضِ والكثيرَ مِنَ العصيانِ والكثيرَ مِنَ الطيشِ والكثيرَ مِنَ الـحمـاقةِ
والكثيرَ مِنَ السخافة والكثيرَ مِنَ القَسوةِ والكثيرَ مِنَ الجنونِ
أحتاجُ كـي أستقبِلَكَ إلى تسلُّقِ الجبلِ العظيمِ
أحتاجُ إلى السباحةِ عكسِ التيارِ
أحتاجُ إلى السيرِ على رأسي مِئةَ عـامٍ
أحتاجُ إلى إستئصالِ عقلي
أحتاجُ إلى فُقدانِ الذاكـرة
أحتاجُ إلى إحراقِ الـمدينةِ الفاضلـة
أحتاجُ إلى إستبدالِ القومِ والزَمانِ والـمكـانِ
أحتاجُ إلى نَسفِ الكثيرِ وتدميرِ الكثيرِ
فأنتَ إستيقظتَ مُتأخراً وتأخرتْ كثيراً
أكثرَ مِنْ قُدرَتي على إستقبالِكَ في عـالـمي
أكثرَ مِنْ قُدرةِ العُثورِ على ثـغرةِ تَسَرُّبِكَ إلى دنياي
أكثرَ مِنْ تجاهُلِ الوقتِ والعُمرِ والعَقلِ والظروفِ
تغيَّرَتْ العُملةُ في وقتي وقلبي وحُلمي
فأنتَ لـم تـتـأخَّر لسنواتٍ طويلةٍ
أنتَ تأخرتَ عُمراً بـأكـملِهِ.
2022-09-21
إلى الأعلى