ترحيب

منافي

كل المنافي قد نجد أنفسنا الحقيقيّة عليها ..إلا المنفى الذي يبعدنا عن الوطنِ ..

***

 

في حياتنا مجموعة من المَنَافِي ، نشيدها بإرادتنا ، ونعيش فيها بإرادتنا ، ونصنع منها وطن آخر لأرواحنا ..

فأحياناً نضطر إلى نَفْيِ أنفسنا بعيداً عن عَوِالم لاتشبهنا ، و تجنباً لأرواحٍ أصبح الاقْتِراب منها مُرْهِق لنا ،

فنبتعد قناعة منا أن البعد هو الاخْتِيار الأفضل والأصح ..

 

فما هو المَنْفى ؟

هل هو مغادرة الأوطان والأمكنة التي يصعب علينا مغادرتها ؟ أمْ هو عُزْلة اخْتِياريّة نجد أنفسنا لسببٍ أو لآخرٍ سجناء خلف أسوارها ؟

ولماذا نلجأ أحياناً إلى اخْتيار منافِينا بكاملِ حرياتنا؟ فننتقي العُزلة بإرادتنا ونصنع منها منفى خاص بنا ؟

مخلفين خلفنا حياة بكاملِ تفاصيلها.. وكأن حياتنا قبل الدخولِ إلى هذه العزلة كانت مجرَّد صفحة في كتابٍ ورقيّ

لم نجد صعوبة في الخروجِ منها وإغْلاق الكتاب عليها بقوةٍ دون التفكير باحْتماليّة العودة إليها يوماً ما…

فصعوبة النَفْي قد تكمن في المنافي الإجباريّة فقط ، أمّا  منافينا الاخْتياريّة  فهي قد تكون حياة جديدة وبِداية مختلفة ،لانتردَّد في اختيارها أبداً..

كتلك العزلة التي وجدتُ نفسي فيها وكأنني انْتقيت منْفايّ بقناعة ورضا ، فمنذ سنواتٍ وقائمة الصداقة شاغرة لديَّ ،

فلم أخرج بصحبةِ صديقة للتسوق ، ولم أحتسي قهوتي في مقهى مع صديقةٍ ، ولم أتناول طعامي في مطعمٍ برفقةِ صديقة ،

ولم أسهر الليل لمشاهدةِ فيلمي المفضَّل مع صديقة ، ولم أبح بأسراري الخاصة لصديقةِ ،

 ولم أهاتف صديقة للثرثرةِ معها في لحظاتِ فراغي ، ولم أطرق باب صديقة في لحظاتِ اخْتِناقي ،

ولم أبحث عن صديقةٍ في لحظاتِ ضعفي … وأصبحت لا أتوقّف طويلاً أمام تلك المقاعد الشاغرة والتي كانت ذات يومٍ تمتلئ بعطرِ الصديقات ..

وأصبحت  مع الأيّامِ مؤمنة بأن الأصدقاء يتساقطون منا على طرقِ الحياة ، ينْسكبون من أرواحنا كقطرات الماء المُعرَّضة للجفافِ السريع ،

وينسحبون من عالمنا كالغرباء ، يغادرون حياتنا كأبطال حكاية فشلوا في إهدائنا النهايات السعيدة …

لنجد أنفسنا أمام حقيقة غيابهم والتأقلم مع المساحات المُسْتجِدّة في حياتنا ..

وأتساءل الآن: كيف حملت كل تلك الأسرار في داخلي ؟ وكيف عشت كل تلك اللحظات المؤلمة وحدي ؟

وكيف واجهت كل تلك الرياح المؤذية وحدي ؟ وكيف مرّت كل تلك السنوات وأنا الصديقة الوحيدة لنفسي..

 

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
dimahna