الطرقات !
(1)
أنا هنا حيث كنت منذ سنواتٍ !
وأعلم أن السنوات لم تعد هنا !
وأعلم ان الرِواية قد انتهت!
وان النقطة الأخيرة في السطر الأخير قد وضعتها الأيام منذ زمنٍ !
وأعلم أن رفاقي قد خلعوا أجنحة أحلامهم وغادوا سيراً على الأقدامِ
وأعلم أن العناكب استوطنت قديم ألعابي ، وقديم دفاتري ، وقديم ممتلكاتي !
وأعلم أن يد الوقت قد مسحت كتابات قلمي وملامح رسوماتي .. وآثار عبثي فوق جدران جيراني !
وأعلم أن كبار جيراني ق غادروا الحياة ..وان صغارهم قد غادروا الأمكنة !
واعلم اني حين غادرت ذات مساء. كنت مسرعة ، مسرعة جداً ، كرياح عاتية…
كــ عاشقة تركض باتّجاه موعدها الأخير .
.فــ (نسيت ) إغلاق الشبابيك واحكام أقفال الأبواب خلفي !
وربما (تعمدتها).. فأبقيتُ المنافذ مفتوحة ..خشيت أن يطول غيابي..فتموت كلمة السر في ذاكرتي ..
فأبقى عاجزة عن الدخولِ إلى (أمسي) .. كمنفية من وطن!
فأحيانا نحمل (أمسنا ) معنا.. كــ قنينةِ ماء شفافة .. ننظر إليها من الخارج..
ونتابع التفاصيل في داخلها بحنينٍ..
نتذكر ..نحنُ ..ونبتسم بألم .. ونتمنى الدخول إليها كثيراً..ولانستطيع!
فمع الوقت تتحوّل مراحلنا وتفاصيلنا إلى لوحة زيتية ملونة تزين جدار ذاكرتنا..
وعند الحنين ندقق في اللوحةِ كثيراً ..ونسافر بها كثيراً ..ونعود !
(2)
وهاقد عدتُ كما حدثني قلبي يوماً ..
عدتُ كأميرة مهزومة ..أجر في أقدامي الكثير من خيباتِ الوقت
ومن خيباتِ زمن لايشبهني ..وخيبات أحلام ذبلت بعد اخضرار !
هاقد عدتُ كما توجس وتشهى قلبي دوماً!
أبحث عن نقنقة (دجاج ) جارتنا المسنة …بعيداً عن نباحِ كلب جارنا الجديد!
أبحث عن دفءِ أحاديث الجارات في طرقاتِ الحارات !
بعيداً عن ثرثرةِ السياسة في ( تويتر ) و( الفيس بوك ) !
بعيداً عن صفحات التواصل الاجتماعي
تلك الصفحات الباردة كالمدن الكبرى .. كالغرف مكشوفة السقف.. كالطرقات المرعبة مساءا …
كالحكايات المخيفة قبل النوم !
هاانذا أعود إلى هذا المكان
أعود لا أحمل في يدي حقيبتي المدرسية!
لكن في داخلي رهبة العودة الأولى بعد الغيابِ !
تماماً كرهبة اليوم المدرسي الأول .. والحصة الأولى .. والدرس الأول ..والواجب الأول !
(3)
لا أعلم من تبقى هنا ؟
لكني عدتُ أحمل فوق أكتافي من الحنين ..جبل !
جبل لا ألمحه…لكني أستشعره جداً !
فهل من أحدٍ هنا ؟
هل من عطر قديم مختبىء بين الزوايا..فيتسرّب من مخبأه ليعيد إليَّ الزمان والمكان ..والتفاصيل!
هل من رفيق طفولة تحايل على الوقتِ ونجح في ان لايكبر؟
هل من صديق مازال يمارس الكتابة على جدرانِ أهالي الحي..
ويغني للغياب أغنية حنين حزينة ؟
هل من طفل قديم هنا ..سيهب لإستقبالِ الطفلة القديمة العائدة في ملامحي ؟
(4)
أين أهل الدار ..أين رفاقي ؟
أين عروستى التي حاكت لها أمي قطع الملابس الفائضة من ملابسها؟
أين عباءة المطر التي صنعتها لي جدتي؟
أين جدتي ؟ أين ياوقت جدتي ؟
أين رفيق طفولة علمني الكتابة صغيرة.. وعلمته القراءة كبيراً!
فكنت أتسلّل إلى هذا الجدار جهراً كي أكتب له. وكان يتسلّل بعدي سرا ً كي يقرأ لي !!
أين أرواح كانت تتسلّل كل مساءٍ إلى هنا!
أين فرسان طفولتي ؟ أين بطلات ألعابي؟
فهنا أكوام من الأجنحة ؟ لكن لاطيور هنا !
هل وصلت متأخرة ؟
هل رحل الجميع ونسوا أخذ أجنحتهم …لهذا تخبطوا كثيراً خارج أسوار المكان ؟
وعجزوا عن الطيرانِ عالياً!!
وكلما إرتفعوا … تساقطوا !
(5)
آآآآه أيها الزمان ..ماأثقل وزنك على ظهورنا وأكتافنا
فكلما كبرنا نحن.. ثقلت أنت !
وكلما حملناك ..انحنينا كثيرا !
يارفاقي أنا هنا !!
جئت ومعي ( مظلات ) مطر بعدد اخوتي ..فأين المطر ؟
جئت ومعي ( مصاصات حلاوة) بعدد رفاقي ..فأين رفاقي؟
جئت ومعي (عرائس قماشية ) بعدد صديقاتي ..فأين صديقاتي؟
جئتُ ومعي قطع ( فحم ) كثيرة…فأين جدراننا القديمة ؟
جئت ومعي (كراسة رسم ) وألون مائية وشمعية وخشبية..فأين حصة الرسم؟
جئت ومعي أكوام ورق ملون .. وخيوط حرير ملونة !!
فمن سيصنع لي طائرة ورقية ؟
ويهدني البحر .. والهواء .. والرمل ..ويسترني عن الأعين كي امارس طفولتي ؟
2013-08-24
إلى الأعلى
دموع تتساقط ع روعة هذه الكلمات غاليتي ربي يحفظج