ترحيب

كيفك إنته ؟

 

كيفَك إنْتَه ؟

(غنّتْ فيروزُ (بعدك على بالي ) فـهزمَتني
ووَهنَتْ أكذوبةَ النسيانِ وإنـحنَتْ حتى كادتْ تسيرُ على أربع)

فيروز غنتْ ( كيفك إنتَ ) فبعثرتني
وتـحسستُ وجهَ الحنينَ إليكَ لأمسحَ دموعَهُ
وتـحشرجَ السؤالُ الـحادُ في فـمي حتى كِدتُ أغصُ به
(كيفك إنتَه ) ؟ آهٍ يا أنتَ!
كيف أمسى السؤالُ القريبُ كالغريبِ الـمصلوبِ بيننا
وكأنّ السؤالَ ما كان يوماً عادةً مِنْ عاداتِنا اليومية
وكأني ما كنتُ يوماً لا أنامُ ولا أغفو ولا أهـجـعُ

قبل أنْ أعرفَ ( كيفك إنتَه ).

فيروز غنتْ ( شادي .. وينك رايح ياشادي؟) وأرعبتني
فأنتَ كُنتَ لهذا العُمرِ، كُلَّ أصدقائِهِ ورِفاقهِ
وحين إنفرطتَ مِنْ عِقدِ أحلامي
إنفرطَتْ بَعدكَ كُلُّ الأحلامِ وتناثرتْ بَعدكَ تفاصيلُ الحكايةِ كحباتِ العِقدِ أمامي
شادي توارى خلفَ دُخانِ القذائفِ والدنيا حَربٌ
وكُلُّ سُفنُ الأيامِ التي إستقرتْ في أيامِ السِلمِ
لم يكنْ شادي على ظَهرِها
وأنتَ تواريتَ خَلفَ غيومِ الأيامِ والدنيا صَحوٌ
فهل السفنُ التي لم تأتي بـشادي ستأتي يوماً بكَ ؟
فيروزُ كبرتِ يا أنتِ وشادي لم يَعُدْ
وأنا كَبرتُ فهل ستعود؟

فيروز غنتْ :
(وهديتني وردة فرجيتا لصحابي خبّيتا بكتابي زرعتا عالمخده) وذكّرَتني
بـزمنِ الرسائلِ الورقية والهدايا الرمزية
يوم كان لهدايا المحبين فرحةَ قلبٍ نـثـرثـر بها للصُحبةِ أياماً وليالي
يوم كان تكرارُ التفاصيلِ الـجـميلـةِ فرحةً مابَعدها فرحة .. ومُتعةً مابَـعدها مُتعة
يوم كانَتْ الدفاترُ لورودِنا وطناً ومَهداً وسِتراً.
فكُنا نضعُ الوردةَ في الدفاترِ كي نحتفِظَ بها
وحين تجفُ الوردةَ نحرصُ على البقايا مِنَ التناثُر
كـإرثِ عائلةٍ عريقةِ الجذورْ
فإذا ما جاء الفراقُ أمستْ الوردةُ صديقةً لصيقةً عند الحنين
فليس كُلُّ الهدايا بعد إنـتـهاءِ الـحكـاياتِ تـنـتـقلُ إلى مرحلةِ الأطلال
فبعضُها نَتحوَّلُ نحنُ أمامَها إلى أطلال
وبعضها تبقى يا فيروزُ مُستقـيـمةً
حادةً كـشوكةٍ مغروسةٍ في أعـيُـنِ النسيان .

فيروز غنتْ يا أنت ( وضيعت الهدية )
و الهدايا ضاعَتْ ( البطاقات والعطور والورود والرسائل والقصاصات)
وضِعتُ أنا بكَ قبل الهدايا
وضِعتَ أنتَ بي قبل الهدايا.

فيروز غنتْ ( بعدك على بالي ) وأربـكـتني
وكـأنـها أضاءتْ خُلوَتي في رُكنِ النسيانِ
فتلفَّتُ حولي أواري عن القومِ عورةَ قلبي
فكـمْ طِرتُ بأجنحةِ النسيانِ في فضاءِ التبلُّدِ بَعدكَ
وكم غِبتُ في أكـاذيبِ النسيانِ أمامَهم
وكنتَ أنتَ أولَ مَنْ صدّقَ أكذوبتي وغيبوبَتي،
فللنسيانِ غيبوبةٌ ضبابـية وإغـمـاءةٌ لا نفيقُ منها إلا بهَزّةٍ قوية كـهَزّةِ صوتِ فيروز،
فيروزُ الآتيةُ بالحنينِ مِنْ زمنِ التفاصيلِ التي تغفو بنا مُرهقةٌ مِنْ شِدّةِ التكرارِ ولا تموت
فحين نُكثِرُ الحديثَ عن النسيان
فإننا نـحاولُ أنْ نسرُدَ حكـايةَ إنتصارِنا عـلى إنـكسارِنا
والذي ينسى ولا يـهتمُ أبداً بإعـلانِ النسيانِ كثيراً
والذي ينسى لا يُكثِـرُ مِنْ سُبابِ الأمسِ ولا يقذفُ التفاصيلَ باللعنةِ
ولا يغتابُ الذكـرى الـجميلة
وما دُمنا نَـهتـمُ ونَلعنُ ونَغضبُ فنَحنُ ما زلنا نـتذكـرْ وما زلنا نـتألـم وما زلنا قيدَ حَنينْ.

فيروزُ غنتْ:
(يا ريت .. يا ريت إنت و أنا بالبيت شي بيت أبعد بيت ) فنسَفَتني.
ما مِنْ كلمةٍ رافَقتْ قلبي ولساني في حكايتي معكَ كـكلمة (يا ليت)
حتى نبتَتْ كلمة (يا ليت) كشوكةٍ في منتصفِ لساني
كُلُّ الأحلامِ بكَ كانتْ تسبقُها  كلمة ( يا ليت)
كُلُّ الأماني بكَ كانتْ تسبقُها  كلمة (يا ليت)
وكُلُّ ولادةٍ جديدةٍ لطِفلِ دفترٍ منكَ كانتْ تسبقها  كلمة (يا ليت)
وكُلُّ نظرةٍ على فستانٍ أبيضٍ كانتْ تسبقها  كلمة ( يا ليت)
وكُلُّ رنةِ هاتفٍ في ليالي الفراقِ كانتْ تسبقها  كلمة ( يا ليت )
وكُلُّ إضاءةٍ لـ رسالةٍ هاتفيةٍ في الظُلمةِ كانَتْ تسبقها  كلمة ( يا ليت)
وكُلُّ تِجوالٍ تحت المطرِ وعلى البَحرِ كانتْ أيضاً تسبقهُ كلمة ( يا ليت)
آآآآهٍ لو تعلمَ
كم مَرة ردّدتُ في حكايتي معكَ كلمة ( يا ليت)؟!
وكم مرَة خذلتني ( يا ليت)؟!
فبعضُ الكلماتِ تخرجُ مِنَ الصُدورِ أمنيةً وتعود إلى الصدور طَعنةً.

فيروزُ غنتْ ( يا مرسال المراسيل) فأبـكـتـني.
فتلفَّتُ وحولي قيودي كثيرةٌ وعراقيلي كثيرةٌ وأسوارُ ظروفِكَ عـاليةٌ
ونوافذُ سِـجني مُلغّمةٌ
وكُلُّ مراسيلِكَ إليَّ خانَتْ
وكُلُ رسائلي إليكَ خانَتْ
فلا مرسالٌ بـيني وبينكَ يـحفظُ السرَّ والأمانةَ
وكـأنَّ هذا العالمَ ما إخترعَ يوماً صناديقَ الرسائلِ ولا طوابعَ البريدِ
ولا البرقيةَ ولا الفاكس ولا الإنترنت!
فإختراعـاتُهمْ فشلتْ في نسفِ المسافةِ بيني وبينكَ
والزاجلُ أمسى بـينـنا مقطوعَ الجَناحِ
الزاجلُ أمسى بـيـنَنا مقطوعَ الجناح…

فيروز غنت ( خذني لبلادي) وزلزلتني.
فأنا الـمُعلَّقةُ بالروحِ بين وطني ووطنِكَ
أنا المصلوبةُ فوق خارطةِ الوطنِ العربي منذ الدرسِ الأولِ في حصةِ الـجُغرافيا.
منذ أنْ صَدَّقتُ شَرحَ الـمُعلمةِ لتضاريسِ الوطنِ العربي الواحِد
وجدتُ أني كلما حاولتُ جَعلَ الأوطانِ وطناً واحداً تَـفرَّعتْ
فلا التضاريسُ واحِدةٌ ولا العاداتُ واحِدةٌ ولا المصيرُ واحِدٌ
فـمُعلمةُ الجغرافيا خدعـتـني كما خَدعتها مُعلمتُها كما خدعتْ مُعلمتَـها
أكذوبةٌ دافئةٌ تناقلتـها الأجيال
أنَّ وطنَنا العربيَ واحِدٌ في كُل شيءْ وخليجَنا العربيَ واحِدٌ في كُل شيءْ
فصَدَّقتْ قلوبُنا الآمنةُ أهازيـجَ الوحدةِ العربية
ونسجَتْ قلوبَنا خيوطَ بيوتها على بوابةِ الوطنِ العربي بـثقة كـبيرة
وإنَّ أوهنَ الخيوطِ لـ خيوطِ الأحلام.

فيروز غنتْ (طيري يا طيارة طيري ….. ياورق وخيطان
بدي ارجع بنت صغيرة على سطح الجيران) فأعادتني
إلى الصفحةِ السابعةِ مِنْ كِتاب حياتي
وإمتلأَ أنـفُ حاضِري برائحةِ الترابِ الـمُبَللِ بالمطر
وصوتُ جدتي يُلاحقُني بالوصايا
وأنا أخوضُ مياهَ الأمطارِ حافيةَ القدمين بكامِلِ قوةِ طفولتي
لكني الآن أركضُ مع صوتِ فيروز بكامِلِ وهني
أتـسلقُ جُدرانَ بيوتِ الحي القديمِ وأزيلُ غُبارَ طائِرَتي الورقية
وأجددُ ما تبقى مِنْ خيوطِها
وأنادي رفاقَ طفولتي إسماً إسماً:
يافلان ،يا فلان، يافلااااااااان
بُحَّ صوتي يافيروز ولم يُـجبني سوى ريـحُ الطرقاتِ الضيقةِ والمنازلِ المهجورة
كيف صَغُرَتْ الطرقاتُ يا فيروز
وكيف كَبِرَ الرفاقُ على غـفلـةٍ مني.

فيروز غنتْ: ( ونطرتك ع بابي بليلة العيد) فقتلتني.
فأنا ( نطرتك ع بابي ) بكل الليالي
لا أنتَ مَررتَني ولا العيد
وأحببتُكَ في أولِ العُمرِ فـمَنحتُكَ مِنَ السنواتِ أخضرَها وأنضرَها
وغِبتَ عني في آخرِ العُمرِ فـمنحتني من الأيامِ أصفرَها وأوهنَهـا
فكانتْ الأيامُ تـمرُّني مُرورَ الأعداءِ اللئامِ
تأخذُ مني ما تأخذْ وتُدمِرُ بي ما تدمر
وتنسِفُ بي ما تنسف وتـجلدُ بي ما تـجلد

وتـكسِرُ بي ما تـكسِر
وتَـحني بي ما تحني وتقتلُ بي ما تقتل

 وتُغيّرُ بي ما تُغير
فالأيامُ حين تـمرُ بَعد الفراقِ لا تمر مرورَ الكرامْ
واللهِ، لا تـمرُ الأيامُ بعد الفراقِ مرورَ الكرام.

فيروز غنت :
(بحكي عنك يا حبيبي لأهالي الحي
بتحكي عني يا حبيبي لنبعة المي )  فنسفـتـني.
لأنَّ ثِـقاتَ أهلِ الحي رحلوا مُنذ زمنْ
ومنابعُ الـماءِ جَفتْ مُنذ زمنْ
فلـمنْ سأحكي الآن حكايةَ العاقلِ الذي مَرَّني بكاملِ جُنونهِ ؟
ولمنْ ستُسرَدُ حكايةَ المجنونةِ التي مَرَّتكَ بكاملِ عقلِهـا؟
وإفترقنا تحت رياحِ الواقـع
وسمعتهم يتهامسونَ ونحنُ نرحلُ بشيءٍ أطلقوا عليه النصيب
فآوى كلانا إلى حُلمٍ جديدٍ يعصِمُهُ مِنَ الغرقْ وأتقنَ في الحلمِ الجديدِ دَورَهُ
فلا أنا المجنونةُ بكَ ولا أنتَ العاقِلُ بي
فـ لمنْ سنبوحُ الآنَ وكُلُّ ما حولِنا أصبح مثقوباً وقابلاً للتسرب؟!
كُلُّ ما حولِنا أصبح مثقوباً وقابلاً للتسربْ.

فيروز غنتْ (شو بيبقى من الرواية ؟شو بيبقى من الشجر) فـكسرتني.
لا شيءَ يـبقى مِنَ الروايةِ ولا شيءَ يبقى مِنَ التـفاصيلِ والشَجرْ
فالـحكـاياتُ حين تكبرُ ستشيخُ وتشيبُ كالإنسانِ
وتـنهارُ مُدنُ الأحلامِ حين تـنهارُ كامِلةً
فقلوبُنا عند أمواجِ الفراقِ تستسلمُ للغرقْ
وأحلامُنا عند أمواجِ الفراقِ تستسلمُ للغرقْ
وأمانينا عند أمواجِ الفراقِ تستسلمُ للغرقْ
وأطفالنا عند أمواجِ الفراقِ يستسلمونَ للغرقْ
لا أحدَ يتـمسَّكُ عند طوفانِ الفراقِ العظيمِ بالقَشةِ الأخيرة
ولا أحدَ يتشبثُ عند النهايةِ بأطرافِ الصفحةِ الأخيرةِ مِنَ الرواية
ولا أحدَ يلجأ إلى جَبلٍ يعصمُهُ مِنْ لعنةِ الفراق.

فيروز غنت :
(رجعت الشتوية ….. ضل افتكر فيّ) فآلـمَتني.
فالشتويةُ عادَتْ بكُل مُقدماتِها وطقوسِها وتفاصيلِهـا وأنتَ ولـمْ تَعُدْ
عاد الشتاءُ بعدَهُ الشِتاءُ بعدهُ الشِتاءُ ولـم تَعُدْ
وعـاد الرعـدُ بعدهُ الرعـدُ بعدهُ الرعـدُ ولـمْ تَعُدْ
وعـاد المطرُ بعدهُ المطرُ بعدهُ المطرُ ولـمْ تَعُدْ
وعـاد البَردُ بعدهُ البردُ بعدهُ البردُ ولكنكَ أيضاً لـمْ تَعُدْ.

17 تعليقات

  1. كلماتكِ لمست قلبي وروحي ، وحركت في داخلي مشاعر ، خلت أني دفنتها ونسيتها ، ولكني أكتشفت أنها لازت على قيد الحياة ،،

    سلمت يداكِ أستاذتي العزيزة

  2. كيفك أنتا
    اوجعتني
    بعدك على بالي
    ابكتني
    ياليت
    زلزلتني 🙁

  3. رائعة انتِ وكلامك اروع

  4. لصوت فيروز قدرة جامحة على نثر الحنين في دمائنا الملطخة بهم.. ولكلمتك قدرة هائلة على نسف القلب الذي تلظى بنيران البُعد..
    ابدعتِ 🙂

  5. كتابتك تبكيني فلا احد يستطيع ان يعبر عني سواك تنثرين جروحي وتلملمينها
    دمتي رائعه

  6. حقا مبدعة ..

  7. مجنونة انتي ياشهرزاد

  8. رااااااااااااااااااااااااااائعة

  9. راااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااائعة

  10. رائعه و رب الدنيّا ، مجنونه أنتي ()
    كتير دخلت قلبي كلماتك ، الله يحفظك يارب
    تحياتي لك

  11. فيروز، فتنت أرواحنا قبل سنوات بعيدة
    وها انت تفتنين قلوبنا مجددا عازفة على الحانها
    كلمات بروح جديدة
    شكرا لك

  12. كلمات كالبلسم ، كلمات ليست كالكلمات ، سيدتي هل تذكرين القصة القصيرة : قالت له عد فغيابك يكاد يقتلني ، عاد قتلها ورحل ..!

  13. لن اطيل ، في انتظار كتاب يحمل اسمك ~

  14. كلمات فيروزية بحروف شهرزادية هزّتني و أدخلتي لعالم جميل و ذكريات أجمل و محزنة بنفس الوقت .. سلمت يداكِ يا راقية المشاعر

  15. ما أروعك

  16. رائعة جدا جدا جداً فكرة واسلوبا واحساساً

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى
dimahna