(كالحلم ياعمي … كالحلم ! )
(0)
أيّ رعب أورثني إياه فقدك ياعمي؟
فأصبحتُ أتفقد أنفاس كلّ عزيزٍ نائم
خشية أن يكون قد غادر بصمت !
وأي عقدة مقلقة أورثني إياها رحيلك المفاجىء ياعمي؟
فأصبحت رنة الهاتف تقلقني!
وصوت المسج يقلقني!
وتجمهر الناس على شيءٍ ما يقلقني!
وأصبحت أترقب أنبأء الفقد مع كلِّ التفاتةِ بحث حولي!
(١)
فمازلت أغمض عيني بقوةٍ ..
وأعاود فتحهما وأكرر ..وأكرر !!
لعلي أجد نفسي فوق سريري!
فهذا الرعب لم يمرّني من قبل
وهذا الحزن لم يستوطن من قبل روحي !
(2)
فرغم ترقبي للخبر القدر في كلِّ لحظةٍ
شيء يشبه اليتم كثيراً
حالة ذهول أكبر من البكاء !
(3)
شُلت يميني ياعمي ..شُلت يميني
وكأن سكين الخبر قطعت يميني قبل أن تستقر بقلبي!
يميني التى ماشعرت ببترها حتى وأخي يلوح لي مودعاً
ربما لاني كنت يومها أصغر
كان قلبي أقوى على الحزن وأصبر!
فبعض الأحزان ياعمي مُرة كمضغ نبات حنظل قديم!
يترك بنا مرارة ..وجرح !
(4)
وليت رحيلك كان حالة بكاء أمارسها أمام المرآة
ككلِّ أحزاني التي مارستها أمام المرآة
فأبكي وأنا أتابع في المرآة تفاصيل وجهي!
لكن أحزاني الخاصة بك لاتُسرد أمام المراة !
فليس كلّ الأحزان للمرايا طاقة على امتصاصها
.فبعض الحزن نمتصه ، وبعضه يمتصنا
تماماً كهذا الحزن ياعمي
!
(5)
تباً لجرأة الحزن !
فمدينة كاملة من الفرح
قد يحرقها نبأ حزين في لحظات !
كما هي المعيريض ليلة وداعك
المعيريض التي توشحت السواد كامرأة ثكلى
واتكأت على جدران متهالك ..تبكي فقيدها بحرقة !
(6)
المعيريض الوطن الصغير الذي احتوانا كأم
المعيريض التي مازالت آثار قدميك على ترابها
المعيريض التي مازالت تخبيء في زواياها عطرك
المعيريض التي لمحتك جدرانها تمضي في ظلمة الفجر ملبياً لنداء الصلاة
المعيريض التي تشهد مساجدها انك كنت بإذن الله من الصالحين !
(7)
فكقطعة من الضوء تغادر الدنيا ياعمي
وكقطعة من ظلام تبقي هي خلفك!
فبعض الأحبة حين يغادرون ، كأنهم يكسرون كلّ مصابيح الانارة التي على الطرقاتِ المضاءة !
فيخيم خلفهم ظلام مرعب
لانبصر به سوى تفاصيلهم وبقاياهم
ومساحة فراغهم الموحش خلفهم !
و كأنهم عند المغادرة يغلقون في الحياة شيئا ..ويرحلون !
(8)
وها أنت تغادر !
كيف تغادر ؟
كيف تغادر ياعمي ؟
وأمنيتي بزيارة بيت الله الحرام بصحبتك مازالت تتجوَّل في قلبي
كحمامة بيضاء !
كطفلة ذات رداء أخضر
كأمنية مغلفة بالنور والضوء !
لكنك رغماً عن الأمنياتِ الخضراء تغادر !
تغادر ككلِّ أحبتي الذين غادروا بلا مشهدٍ أخير
وبلا حوارٍ أخير ..وبلا توصيةٍ أخيرة !
(9)
انهم يغادرون !
قبل أن نقول لهم شكراٍ !
قبل أن نُقبل جباههم بحبٍ وامتنان !
قبل أن نترك على أبوابهم باقة ورد أبيض !
قبل أن نخبرهم كم نحبهم
وكم دثرنا وجودهم بالأمان !
وكم كان الزمان بصحبتهم جميل !
(١٠)
كشعاع من ضوء تمر عمري وتمضي !
ككلِّ الأرواح التي منحتني النور
وعلقت القمر على طريقي المظلم ومضت!
تاركة بي من فراغها الكثير
الكثير الذي لايُملأ ياعمي !
لايُملأ !
والأثر الذي لايُمسح !
ولايتلاشى ، ولايزول مهما اغتسلنا !
فالماء يغسلنا من الخارج فقط ياعمي !
لهذا تبقى أحزاننا بعد الاستحمام كما هي !
(١١)
سأضيفك ياعمي إلى أحزاني التي لم تكتب
أحزاني التي تضخمت في داخلي كجنين ميت!
وعجزت برغم السنوات عن ولادته!!
أحزاني التي اقتربت مني حتى التصقت بي!
أحزاني التي التصقت بي حتى أصبحت .. أنا !
سأضيفك ياعمي إلى قائمة أحبتي!
أحبتي الذين رحلوا بلا رحيلٍ!
وماتوا بلاموتٍ
وفارقوا بلا فراقٍ!
أحبتي الذين تركوا كلّ الأشياء خلفهم نابضة
كأنها جسد حي !
سأضيفك إلى يوسف وعبدالرحمن وندى ومريم !!
سأضيفك ياعمي إلى قائمة أمنياتي المرسلة إلى السماوات
أمنياتي التى أغلفها باليقين والايمان فوق سجادة صلاتي
وأرددها تحت المطر وبين الاقامة والصلاة!
أمنياتي التي استهلكت الجزء الأكبر من عمري في ترقبها !
أمنياتي التي لونتها وزخرفتها وزينتها كعروس
ومضى أكثر العمر .. ولم تزف إلى فارسها !
سأضيفك ياعمي إلى قائمة جروحي
جروحي التي تفوح منها رائحة أحبتي !
كحديقة مزوعة بنباتات من ذكرى !
والتي كلما تفقدتها وجدتها رطبة..نازفة!
بها من ملامحهم الكثير !!
سأضيفك ياعمي إلى مواقف الانكسار في عمري
المواقف التي أعقبتها انحناءة في الظهر !
المواقف التي خذت معها الكثير ..ومضت بالكثير !
سأضيفك ياعمي إلى لحظات الرعب في حياتي
اللحظات التي زرعت بي عقدة الفراق ..والفقد !
اللحظات التي مازال نحيبها يملأ اذني
اللحظات التي بقي صوتها يتردّد في داخلي
مع كلِّ لحظة رعب مشابهة للرعبِ الأول! !
سأضيفك ياعمي إلى كسوري وانكساراتي !
وصدمات عمر سلبتني أجنحتي
وسرقت حلم الطيران من تحت وسادتي !
وسرقت حكايات جدتي الآمنة من قلبي
!
سأضيفك ياعمي إلى قائمة أحزاني التي أعيتني !
أحزاني التي كبرتُ .. ولم تصغر !!
أحزاني التي قالوا انها (مسألة وقت )
وانها مع الوقت ستفقد لونها وتبهت
سأضيفك ياعمي إلى لحظات الندم التي حاصرتني بعد الاوان
حيث لاترميم ولاتراجع
فأنا نادمة ياعمي!
نادمة على كلِّ ليلةٍ انقضت
ولم أتجه بها نحوك طارقة بابك
على كل رمضان لم أقاسمك فيه فرحة الافطار
على كلِّ عيدٍ لم أقبل به رأسك !
(١٢)
فتباً للحياةِ، تباً لمشاغلها..لظروفها
تباً للمسافات ياعمي
المسافات التي قربتنا في الجزء الأخير من حكايتنا وحياتنا!
قربتنا المسافات ياعمي
وفرقنا الموت ..فرقنا الموت!
الموت الذين يجرّدنا من كلِّ شيءٍ
إلا أعمالنا!
(١٣)
فاذا كانوا الأموات لايأخذون معهم سوى أعمالهم !
اذاً أين يختفي الفرح والأمان
والشعور بطعم الأشياء والحياة بعد رحيلهم؟
**
شهرزاد الموقع الرسمي للكاتبة الاماراتية شهرزاد
تعبير دقيق …كانك كتبتي هذا تعبير عن حالي