ترحيب

ليالي الفراق !

 

97

 

الفرق بين الليلة الأولى، والليلة الأخيرة للفراق، أننا في الليلة الأولى نكون أكبر من كل شيء، فلا يتسع لنا شيء، وفي الليلة الأخيرة نكون أصغر من كل شيء، فلا نتسع لشيء

أولى ليالي الفراق.. ما أثقلها من ليلة
كأن جبال الأرض استقرّت فوق هذا القلب الصغير المرتجف تحت رياح الفراق، خوفاً ورعباً

كأن الوجود ما عاد يعرفني، كأني ما عدتُ أعرف نفسي، كأني أصبحت بلا هوية ولا ذاكرة تدلّني إلى الطريق وتأخذني إلى عالمي
كأن القمر يتنكّر لي.. يشيح بوجهه عني.. يخجل من مواجهتي.. كي لا أقرأ تفاصيل حكايتي الميتة فيه.

كأن غرفتي التي ألِفتها تحولت إلى محطات غربة.. فما عدت أنتمي إليها.. وما عادت محتوياتها تنتمي إليّ.

كأن حرايري التي احتفظت بها كي أزيِّن بها قلبي لك في ليلة العمر.. قد تحولت إلى غابات شوك تدمي أناملي كلما اقتربت منها.
كأن ضفائري التي سقيتها أدمع غيابك كي تنمو شوقاً إليك.. باتت تلتف حول عنقي.. وتخنقني.

كأن عيوني التي بكتك  سنوات من العمر. قد تحجّرت. . بعد أن جفّت أنهارها من تكرار البكاء فوق وسائد الشوق إليك

.
كأن يدي التي نقشت لك أجمل عبارات العشق.. وراقصتك خيالاً.. واحتضنت وجهك خيالاً.. قد شُلَّت.. فما عادت تقوى على الحركة والتلويح لك مُودّعة فوق أكوام الحكاية
.
كأن الحكاية قد فتحت أبوابها.. وسقطت حصونها المنيعة.. فلم تعد سكنك.. ولم تعد وطني.. وأصبحنا نتجول في أرجاء الصفحات.. كالغرباء

.
كأن نحيب أطفالك في دفاتر الأحلام يعلو.. ويعلو.. ليُذكِّرني كم كنت امرأة حالمة حين ظننت أن الدفاتر قد تكون للأحلام خزائن

.
كأن النيران تشتعل في هذا الجسد الصغير.. فتلهب دمه.. وتحوِّل القلب إلى قطعة من جمر ملتهب.. وتخلفني كالرماد تحت رياح غيابك

.
كأن مرآتي التي استهلكتُ أجمل ليالي العمر أحدثها عنك.. ما عادت تذكر من ملامحك سوى مخالبك وأنيابك في الليلة الأخيرة.

كأن هاتفي الذي اعتاد أن يهديني الفرح مُغلّفاً بصوتك.. قد فقد قدرة الفرح وتحول رنينه إلى بكاء مؤلم متواصل.

كأن رسائلي التي نزفتها لك ذات حب وشوق وعتاب.. تحولت إلى أوراق صفراء باردة تشبه أوراق الوصايا.. وكأن الحب ما اشتعل بين سطورها يوماً

.
كأن ذاكرتي تستعيد قوتها ووعيها.. وتعيد لي العمر من بدايته.. وتفتح أمامي صفحات أحرقتها من العمر.. فتحرقني بها.

كأن الكائنات قد ماتت.. ووحدي بقيت على قيد الحياة.. أجمع شتاتي المبعثر حولي.. والمبعثر مني.. والمبعثر بي.

كأن سقف الغربة قد التصق بقاعها.. وكأنني بين السقف والقاع ألفظ آخر أنفاسي.

كأني أسمع صوت أقدامهم وهم يرحلون واحداً تلو الآخر بعد أن وضعوني في قبري.. وحثوا التراب فوقي.. وأهدوني للوحدة والظلام بلا حدود.

كأني ما كنت يوماً شيئاً يُذكر.. كأن الليلة الأولى لفراقك صهرتني كالشمع، أذابتني كالثلج، سرّبتني كالماء من بين أنامل الحياة.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

إلى الأعلى
dimahna