ترحيب

محمود درويش !

 

 

150

( رحل … وبعض أنباء الرحيل .. كـإبحار الـ سكينِ في القلب)

(1)

سيدي
ألست القائل ؟
(وأعشق عمري لأني
اذا مت
أخجل من دمع أمي !)

فماذا عن أدمعنا التي
سُكبت ليلة البارحة
على قارعة ..النبأ الحزين ؟

(2)

وماذا عن أدمعنا التي
ستسكب كلما قرأنا
( أحن إلى خبز أمي )

وكلما تساءلنا :

لماذا تركت الحصان وحيدا ؟
فأخبرنا أنت الآن بالله عليك ؟

لمن تركت الحصان هذا المساء وحيدا ؟
ولماذا حين صُفعنا بنبأ رحيلك
خُيل إلينا
أننا نشم رائحة خبز أمك حولنا ؟

(2)

انه الموت
ورهبة الموت
وذهول الموت !
فالموت هو الموت ياسيدي
كما عهدناه
وكماعرفناه
وكما حفظناه منذ الصغر
حين يأتي /لايستأذن
ولايطرق الأبواب !
أتعلم ياسيدي؟
لوكان الموت يدخل من الأبواب
لما إخترعنا يوما… الأبواب !

(3)

فمواعيد الموت غير مسجلة
في أجندة مواعيدنا
ولا ( جرس ) للموت يسبق قدومه
ولانستعد للقائه بأجمل الثياب
ولا وطن نفر من الموت إليه
فالموت يزور كل الأماكن
الموت يدخل كل الأوطان
وجميعنا ..على غفلة من العمر راحلون
نعم ياسيدي
كلنا راحلون
هي فقط
سفن تسبق سفن
وقوافل تسبق قوافل
ورياح تسبق رياح
وارواح تسبق ارواح

(4)

انها ياسيدي حكاية تداول الاشياء خلف الاشياء
ومرعبة ياسيدي حكاية التداول تلك
فبالامس بكيتهم أنت
واليوم بكيناك نحن
وغدا سيبكينا اخرون
فعجلات الأيام لا تتوقف
الا في محطتها الاخيرة
قلوبنا فقط
عند كل نبأ للموت
تغادر صدورنا كالطير الجريح
ويُخيل إلينا من هول الصدمة
انها …سقطت !

(5)

فأخبرني ياسيدي !
لماذا عند كل نبأ للموت
تُفتح لنا الدفاتر على مصراعيها
كالصحف القديمة تُستعرض أمامنا
يخنقنا غبار الذكرى المتطاير منها
نسترجع جولات الموت في حياتنا
ملامحهم التي مازالت تسكن ذاكرتنا
تفاصيل ليلتهم الأخيرة معنا
طقوس رحيلهم وفراغهم حولنا وبنا
ونعود فنبكيهم من جديد
وكأن الموت بالأمس فقط
قد مضى بهم!
وكأنهم بالأمس فقط … قد مضوا عنا
وربما مضوا بنا !

(6)

لماذا ياسيدي
الاحزان توقظ الأحزان ؟
لماذا الانباء توقظ الانباء ؟
ولماذا كل الاشيا في حياتنا تتكرر
تفاصيل الحكايات تتكرر
انكسار الاحلام يتكرر
مذاق الاحزان يتكرر
ذهول الفقد يتكرر
صفعات الأيام تتكرر
كبوات العمر تتكرر؟

(7)

وبعض التكرار يُعلمنا
وبعض التكرار يرعبا
وبعض التكرار ينفعنا
وبعض التكرار يرفعنا
وبعض التكرار يكسرنا
وبعض التكرار يقتلنا

لكن

لاشيء .. كــ تكرار نبأ الموت !

(8)

ومن شدة تكرار الموت من حولي
أمسيت أحفظ طقوسه وتضاريسه
لهذا لن أسألك
كيف خذلك قلبك العليل
وتوقف نازفا
انها القلوب ياسيدي
لاتخذل إلا الأنقياءْ !
فهاأنت ذا
تلفظ أنفاسك على فراشك
شامخا كــ وطن !
ولم تمت واقفا !

فلاتقلق

فلا أحد يموت واقفا
حتى العظماءْ!

(9)

رحلت إذن !
ومازال أنفك يمتلىء برائحة خبز أمك !
رحلت اذن !
وصدق النبأ الحزين !
ولم يكن رحيلك اشاعة سوداء
يبددها نور الحقيقة !
فـ لمن تركت الوطن ينزف
لمن تركت الشعب ينزف
لمن تركت الارض تنزف
لمن تركت الكرامة تنزف
لمن تركت القضية تنزف
لمن ؟تركت أنت أيضا
الحصان وحيدا !

,

,

لماذا ردد معظمنا عند إعلان نبأ رحيلك
وبمرارة

(أحن إلى خبز أمي
وقهوة أمي ..
ولمسة أمي ..)

لماذا هذه الكلمات هي أول ماتبادر
إلى ذاكرتنا من تاريخك ؟

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

يمكنك استخدام أكواد HTML والخصائص التالية: <a href="" title=""> <abbr title=""> <acronym title=""> <b> <blockquote cite=""> <cite> <code> <del datetime=""> <em> <i> <q cite=""> <s> <strike> <strong>

إلى الأعلى
dimahna